ردود الأفعال الرسمية والسياسية… إجماع نادر على رفض التدخل
منذ اللحظات الأولى لصدور تهديد ترامب، بدا واضحا أن رد الفعل الإيراني لن يقتصر على جهة واحدة أو خطاب واحد، بل سيتحول إلى ما يشبه حالة اصطفاف وطني عابر للانقسامات السياسية، فقد اعتبرت تصريحات الرئيس الأمريكي مساسا مباشرا بالسيادة الإيرانية، ومحاولة لإعادة إنتاج خطاب التدخل الذي لطالما ارتبط في الذاكرة الإيرانية بانقلابات وحروب وعقوبات.
المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، هادي طحان نظيف، كان من أوائل من ردوا بلهجة حادة، مخاطبا ترامب بسؤال استنكاري حمل في طياته تهديدا مضادا، حين تساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة تريد اختبار هذا الشعب مرة أخرى، محذرا من أن النتيجة لن تكون سوى صفعة جديدة، هذا الرد استدعى مباشرة تجربة الجولة الأخيرة من الحرب في يونيو/ حزيران 2025، والتي اعتبرت في الخطاب الرسمي نموذجا لوحدة الداخل الإيراني في مواجهة التهديد الخارجي.
ليصلك المزيد من
الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
وزارة الخارجية الإيرانية دخلت بدورها على خط الرد، حيث شدد المتحدث الرسمي، إسماعيل بقائي، على أن سجل الولايات المتحدة اتجاة الشعوب مذكرا فيما حصل في افغانستان والعراق وسوريا وفنزويلا وغيرها من الدول التي احتلتها امريكيا فيما تسميه حماية الشعب الإيراني كفيل بإسقاط أي ادعاء أخلاقي، مستعرضا، تاريخا طويلا من الانقلابات، والدعم العسكري، وإسقاط الطائرات المدنية، والعقوبات الشاملة، كما أكد أن الإيرانيين، مهما بلغت خلافاتهم الداخلية، لن يسمحوا بأن تتحول هذه الخلافات إلى ذريعة لتدخل أجنبي، مشددًا على أن الحوار الداخلي هو الطريق الوحيد لمعالجة الأزمات
اما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، بدوره قدم ردا اتسم بالجمع بين التحذير السياسي والرسالة الأمنية، إذ ميز بوضوح بين المحتجين من التجار وأصحاب المصالح المشروعة، وبين ما وصفه بالعناصر التخريبية، معتبرا أن تصريحات ترامب، إلى جانب مواقف المسؤولين الإسرائيليين، كشفت بوضوح ما يجري في الكواليس، وذهب لاريجاني إلى حد التحذير من أن أي تدخل أمريكي في هذا الملف الداخلي سيؤدي إلى زعزعة المنطقة بأكملها، ويمسّ مباشرة المصالح الأمريكية.
رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، تبنى لهجة مشابهة، معتبرا أن صراخ الشيطان الاكبر ، قد ارتفع بعد فشل محاولات تحويل احتجاجات مطلبية إلى مواجهات مسلحة، وأكد أن إيران تملك تجربة تاريخية طويلة في مواجهة خصوم أكثر دهاء، وأنها تميز بوضوح بين أبنائها المحتجين وبين من وصفهم بالمرتزقة والعملاء. كما وجه تحذيرا مباشرا إلى ترامب مفاده أن أي مغامرة جديدة ستجعل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة أهدافا مشروعة
محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، قدم قراءة أكثر واقعية ، معتبرا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تكرار سيناريو الفوضى الذي شهدته دول مثل العراق وأفغانستان وليبيا، وحذر من أن أي عمل عدائي لن يقتصر أثره على إيران، بل سيؤدي إلى تدمير الكيان الصهيوني، والقواعد الأمريكية، وزعزعة استقرار المنطقة بأكملها، مؤكدا أن هذه المرة مختلفة، من حيث العواقب الجسيمة التي ستواجهها واشنطن وتل أبيب
مواقف القيادات العليا… الأمن القومي كخط أحمر
على مستوى آخر، جاءت تصريحات شخصيات بارزة في النظام الإيراني لتؤكد أن تهديد ترامب تجاوز حدود التصريح السياسي إلى مستوى التهديد المباشر للأمن القومي، فقد شدد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، صادق لاريجاني، على أن التظاهر بالقلق على الشعب الإيراني لا يليق بالولايات المتحدة، في وقت تدعم فيه، بحسب وصفه، عمليات قتل واعتداءات في المنطقة، معتبرا أن تهديد إيران حماقة سياسية، وأن أي خطأ سيقابل برد أشد، ومؤكدا أن الأمن القومي ليس مادة للتغريدات والمغامرات.
من جانبه، حذر على شمخاني، ممثل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للدفاع، من أن كل يد تتقدم نحو أمن إيران تحت أي ذريعة ستقطع قبل أن تصل، مستحضرا تجارب التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان وغزة، وأكد أن الإيرانيين يعرفون جيدا كلفة إنقاذ الأمريكيين للشعوب، في إشارة إلى نتائج تلك التدخلات.
أصوات إصلاحية ومعارضة. رفض التدخل مع الدفاع عن حق الاحتجاج
اللافت في موجة الردود أنها لم تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل شملت أيضا شخصيات إصلاحية وأصولية ناقدة للسياسات الداخلية، ما منحها بعدا أوسع، فبهذا الشأن أكدت آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات في إيران، أن الاحتجاج حق مشروع للشعب وله جذور حقيقية في المعاناة والمطالب، وأن القمع ليس حلا، لكنها شددت في الوقت نفسه على إدانة أي تدخل خارجي إدانة صريحة وقاطعة، معتبرة أن مثل هذا التدخل يضر بطبيعة الاحتجاجات السلمية ويحوّلها إلى ساحة صراع خارجي.
كما أعاد سعيد جليلي، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والأصولي الأشهر في إيران، نشر تغريدة له تعود إلى عام 2020، مشيرا مجددا إلى كتاب أمريكا العرجاء من تأليف دونالد ترامب، والذي اعتبره اعترافا بشلل بنية النظام الأمريكي. وكتب جليلي في تغريدته الجديدة أنه إذا كان جسد النظام الأمريكي مشلولا آنذاك، فإن دماغه اليوم يعاني هو الآخر من خلل، وقد دقت حماقات ترامب ناقوس انهيار هذا النظام.
وزير الاتصالات السابق محمد جواد آذري جهرمي ذهب في الاتجاه نفسه، معتبرا أن احتواء الناس والاستماع إلى مطالبهم كفيل بأن يجعلهم هم من يردون على ترامب، كما حدث في الحرب الأخيرة، كما أشار إلى أن الرهان على الشارع الإيراني من الخارج رهان خاسر، طالما بقيت المعالجة داخلية.
حتى شخصيات معروفة بانتقاداتها الحادة للنظام، مثل صادق زيبا كلام، أعلن بوضوح أنه لا يستطيع الوقوف في صف ترامب ونتنياهو، رغم خلافه مع السياسات الخارجية والعسكرية والنووية للنظام، معتبرا أن هذه السياسات تضر بالمصلحة الوطنية، لكن ذلك لا يبرر الاصطفاف مع خصوم خارجيين
بين الجاهزية والردع… هل تقف إيران على أعتاب مواجهة جديدة؟
يثير تصعيد دونالد ترامب في لهجته تجاه إيران، وربطه الصريح بين الاحتجاجات الداخلية وإمكانية التدخل الخارجي، تساؤلا حول ما إذا كانت المنطقة تقف فعلا على أعتاب جولة جديدة من الصراع العسكري، أم أن ما يجري لا يتجاوز حدود الحرب النفسية والضغط السياسي المركب، فقراءة ردود الفعل الإيرانية، الرسمية وغير الرسمية، تكشف عن مقاربة مزدوجة تقوم على الاستعداد وعدم الاستدراج في آن واحد.
من جهة، يظهر بوضوح أن إيران تتعامل مع احتمال التصعيد العسكري بوصفه سيناريو واقعيا لا يمكن استبعاده، فالخطاب الصادر عن مؤسسات سيادية وشخصيات أمنية وعسكرية يعكس قناعة بأن الحرب السابقة، لم تحقق الأهداف التي سعت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء على مستوى تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية، أو على مستوى إحداث تغيير سياسي داخلي. ووفق هذا المنطق، فإن الحروب التي لا تحقق أهدافها تبقى دائما مرشحة للتكرار، وهو ما يفسر نبرة التحذير العالية، واستحضار تجارب المواجهة الأخيرة في الخطاب الرسمي.
لكن في المقابل، لا تشير هذه الردود إلى استعداد هجومي أو رغبة في خوض حرب جديدة، بقدر ما تعكس منطق الردع الوقائي، فجميع المواقف تقريبا تربط أي مواجهة محتملة بالفعل العسكري من الطرف الآخر، وتؤكد أن الرد سيكون أشد في حال وقوع اعتداء، هذا التوصيف يعكس عقيدة دفاعية تسعى إلى رفع كلفة القرار العسكري لدى الخصم، وليس إلى تسويق الحرب كخيار استراتيجي.
اللافت أيضا أن التهديد الأمريكي لم يؤد إلى انقسام داخلي حاد في إيران، بل على العكس، ساهم في إنتاج حالة اصطفاف كبيرة نادرة، شملت أصوليين وإصلاحيين ومعارضين للسياسات الحكومية، هذا الاصطفاف لا يعني غياب الأزمات الداخلية أو انتهاء الاحتجاجات، لكنه يعكس خطا فاصلا واضحا بين النقد الداخلي المشروع، وبين استدعاء التدخل الخارجي. ومن منظور استراتيجي، يشكل هذا التماسك النسبي عنصر قوة في حسابات الردع، ويقلل من فرص نجاح أي سيناريو يقوم على تفكيك الجبهة الداخلية تمهيدًا للتصعيد العسكري.
على المستوى الإقليمي والدولي، لا تبدو الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بخوض حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط، في ظل تراجع أولوية المنطقة في وثائق الأمن القومي الأمريكي، وتراكم الأزمات الدولية الأخرى. غير أن هذا لا ينفي إمكانية اللجوء إلى ضربات محدودة، أو دعم عمليات إسرائيلية محسوبة، وهو السيناريو الذي تحسب له طهران حسابا جديا، فالمواجهة المحتملة قد لا تأتي في شكل حرب تقليدية مفتوحة، بل عبر تصعيد متدرّج، أو حوادث موضعية يمكن أن تتدحرج خارج السيطرة.
كما أن الدور الإسرائيلي يظل عاملا ضاغطا في هذا السياق، إذ تشير تحليلات متعددة إلى أن تل أبيب قد تسعى إلى استغلال أي لحظة توتر داخلي أو دولي لدفع واشنطن نحو مواجهة جديدة مع إيران، ولو كانت محدودة، غير أن حسابات الكلفة والمردود، سواء داخل إسرائيل أو لدى حلفائها، تجعل هذا الخيار محفوفا بالمخاطر.
في الخلاصة، يمكن القول إن إيران تبدو مستعدة من حيث الجاهزية والقدرة على الرد، لكنها غير معنية بإشعال حرب جديدة، فهي تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تجعل التهديد أقل قابلية للتحول إلى فعل، مستندة إلى تجربة سابقة، وإلى تماسك داخلي نسبي، وإلى إدراك بأن أي مواجهة جديدة ستكون مكلفة للجميع، وبين التهديد الأمريكي والرد الإيراني، يبقى المشهد مفتوحا على حافة التوتر، حيث تلعب الحسابات الدقيقة، أكثر من النوايا المعلنة، الدور الحاسم في تحديد المسار المقبل.