الوضع الحالي لملف إيران والولايات المتحدة يمكن تفسيره من منظور دراسات العلاقات الدولية على أنه «تعليق استراتيجي متعدد الطبقات»؛ وهو وضع لا يعني بالضرورة التوجه الحتمي نحو المواجهة العسكرية، ولا يعد مؤشرا واضحا على العودة المستدامة إلى الدبلوماسية، بل يعكس تقاطع ثلاثة منطق متعارض لكنها مترابطة في الوقت نفسه.
ليصلك المزيد من
الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المباشرة حول احتمال استهداف المنشآت النووية والبرامج الصاروخية الإيرانية ليست مجرد إظهار إعلامي، بل يمكن فهمها في إطار السياسة الخارجية التقليدية للولايات المتحدة، التي ترى «السلام» ليس نتيجة بناء الثقة المتبادلة، وإنما نتيجة فرض القوة على الطرف الآخر.
وفي هذا السياق، يُستخدم التهديد العسكري ليس بالضرورة للتنفيذ الفعلي، بل لتشكيل سلوك الطرف المقابل وفرض تكاليف نفسية وحسابية عليه.
وان الطبقة الثانية تتعلق بأزمة الشرعية والكفاءة التفاوضية؛ داخل إيران، لم يعد الشك في جدوى التفاوض مع الولايات المتحدة مجرد موقف أيديولوجي، بل أصبح واقعا ملموسا، خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، و عجز أوروبا عن لعب دور مستقل، واستمرار الضغوط الاقتصادية حتى خلال فترات الحوار، بالإضافة إلى مشاركة الولايات المتحدة في حرب الـ 12 يوما بين إسرائيل وإيران، عززت هذا التصور بأن التفاوض، على الأقل بالشكل الحالي، غير قادر على توفير «أمن موثوق» أو «انفراج اقتصادي مستدام».
وأوضح أن الطبقة الثالثة، وهي الأهم، تتعلق بالضرورة البنيوية للحوار؛ فرغم لغة التهديد، وضغط الحد الأقصى، والشكوك العميقة، لا يمكن لأي طرف الاستغناء عن منطق التفاوض فالولايات المتحدة تدرك جيدا أن اللجوء مجددا إلى الحرب قد يسبب عدم استقرار إقليميا، ويخلق صدمات اقتصادية وأمنية كبيرة في العالم، وفي المقابل لا يمكن لإيران تجاهل الدبلوماسية.
السلام بالقوة؛ رؤية ترامب للدبلوماسية القسرية
ذكر الموقع أنه مساء يوم الخميس 11 ديسمبر/ كانون الأول 2025 بتوقيت محلي، وصف دونالد ترامب، خلال لقاء مع مجموعة من الصحفيين في البيت الأبيض، الهجوم على المنشآت النووية لإيران بأنه «تمهيد للسلام».
وأضاف أن ترامب زعم أن هذه العملية كانت «التدمير الكامل للقدرات النووية الإيرانية»، وأن هذا الأمر، بحسب قوله، أتاح «إمكانية تحقيق السلام»، لأن «الجميع كانوا يخافون من إيران سابقا، أما الآن فلم يعودوا يخافون».
وأوضح الموقع أن هذا الموقف يعكس نهجا في السياسة الخارجية يرى القوة العسكرية ليس كحل أخير، بل كأداة أساسية للردع.
وبيّن أن ترامب، في جزء آخر من تصريحاته، زعم أن إيران الآن تميل إلى الدخول في مفاوضات مع إدارته وقال: «هم يرغبون بشدة في التوصل إلى اتفاق معي وأنا أيضا، إذا استطعنا، أرغب في التوصل إلى اتفاق معهم قبل القصف، كنا قد اقتربنا إلى حد كبير من اتفاق محتمل».
وأضاف الموقع أن هذه الرواية تهدف إلى عرض الهجوم العسكري ليس كعائق أمام الدبلوماسية، بل كعامل مسرّع للتوصل إلى اتفاق، ورسالة تؤكد أن «الضغط الأقصى» والإجراء العسكري يمكن أن يمهد الطريق للحوار.
ومع ذلك، أشار الموقع إلى أن النقاد يرون أن هذا التصوير لا يتوافق تماما مع تعقيدات الدبلوماسية ومنطق ردود إيران المتبادلة.
عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، ردا على سؤال حول إمكانية استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، أكد أن القرار النهائي مرتبط بسلوك واشنطن وأن إيران ستكون مستعدة للدخول في الحوار إذا غيرت الولايات المتحدة نهجها وأظهرت استعدادا للدخول في مفاوضات «منصفة ومتوازنة».
وأشار إلى أن عراقجي ذكر أن إيران لا تملك ذكريات إيجابية عن التفاوض مع أمريكا، موضحا أمثلة على ذلك: أولا، الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، بحسب قوله، «بدون أي سبب» ثم أشار إلى مفاوضات عام 2025، موضحا أنه خلال استمرار الحوار، هاجمت إسرائيل إيران بدعم أمريكي، وانضمت الولايات المتحدة إلى تلك الهجمات كما أشار إلى المفاوضات الأخيرة في نيويورك حول قضية «السناب باك» ضمن نفس السياق.
وأكد الموقع توضيح عراقجي، أن إيران توصلت إلى استنتاج مفاده أن الأمريكيين حاليا غير مستعدين لخوض «مفاوضات متبادلة مفيدة» على أساس المساواة والاحترام المتبادل، مشددا على أنه كلما تأكدت إيران من استعداد واشنطن الحقيقي لهذا الإطار، ستتاح إمكانية استئناف الحوار.
وأضاف الموقع أن المسألة الأساسية تكمن في أن «المفاوضة» تختلف عن «الإملاء»، وأن إيران لم تقتنع بعد بأن الطرف الأمريكي قدم خطوات جادة وحقيقية للتفاوض، لأنهم بدلا من الحوار، يريدون فرض تعليماتهم، وأكد عراقجي أنه لا أحد في إيران سيخضع لإملاءات الآخرين.
مأزق إيران والولايات المتحدة؛ صمود متبادل واستحالة التنازلات وفي سياق هذا الجو المتوتر، ما أشار إليه أحد محللي الشؤون الدولية حول حالة الغموض الواضحة التي تشهدها هذه الأيام قضية التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، موضحا أن طرح التفاوض في حد ذاته ليس «جيدا» ولا «سيئا».
وأضاف أن الدول أحيانا ترحب بالتفاوض لتحقيق هدف محدد أو لحماية مصالحها، وأن هذا التحليل يسعى إلى إخراج موضوع التفاوض من الأحكام القيمية ووضعه في إطار الحساب والمصلحة الوطنية.وبيّن أن المحلل أكد أنه لا توجد ضرورة للثقة الكاملة من أجل جلوس الطرفين إلى طاولة الحوار، موضحا أنه ليس من الضروري أن يدخل الطرفان بعقلية إيجابية وثقة كاملة للتفاوض.وأشار الموقع إلى أن المحلل لفت الانتباه إلى خصوصية العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكّدا أن المشكلة الرئيسية تكمن في أن لا إيران ولا الولايات المتحدة مستعدتان للتراجع حتى خطوة واحدة عن مواقعهما، وأن الواقع الملموس يشير إلى أن الطرفين، تحت أي ظرف، لا يريدان ولا يمكنهما تلبية توقعات بعضهما البعض.
وأضاف أن النظام الحاكم في إيران، نظرا لعدم القدرة على الاعتماد على الولايات المتحدة كركيزة موثوقة للتوصل إلى اتفاق، يجب أن يمتلك «خطة بديلة» لإدارة البلاد في ظل العقوبات، وهي خطة تهدف إلى إدارة الوضع القائم بأقل تكلفة ومشاكل ممكنة.
ونقل الموقع عن تحليل نشرته مجلة «الإيكونوميست» أن الحكومة الأمريكية بحاجة إلى تحرك مباشر لتجاوز المأزق الحالي، مؤكدا أن واشنطن بحاجة إلى إرسال مبعوث خاص إلى طهران لدراسة إمكانية التوصل إلى اتفاق حقيقي ميدانيا، وهو ما يشير إلى شكوك حول فعالية الاعتماد فقط على الضغط والعقوبات.
وأن دونالد ترامب، في واشنطن، تحدث مرة أخرى عن «استعداده الكامل للتوصل إلى اتفاق مع إيران»، مشيرا إلى رغبته في تقديم نفسه كرئيس نجح في تحقيق اتفاق كبير وتاريخي وأن بعض المراقبين السياسيين يرون أن الفجوة بين شعاراته وواقع تنفيذ السياسة الخارجية ما زالت عميقة.
توقيت الحرب؛ المتغير الحساس في معادلة إيران–إسرائيل
ذكر الموقع أن دبلوماسيين أوروبيين قالوا في حديثهم مع «المونيتور» وهو موقع إخباري دولي إن إسرائيل قد تشن هجوما على إيران في عام 2026، حتى إذا لم يمنح دونالد ترامب الضوء الأخضر صراحة.
وأضاف الموقع أن هذه المصادر ترى أن القلق الرئيسي يكمن في أن إيران قد تستأنف مجددا مسار برنامجها النووي وتطوير قدراتها الصاروخية.
وأن المصدر الدبلوماسي الغربي ذكر أن الحملة المحتملة لإسرائيل ضد إيران ستكون قصيرة وشديدة، لكنها في النهاية لن تحقق إنجازا حاسما ولن تخلق تأثيرا استراتيجيا حقيقيا.
وأشار المصدر الدبلوماسي الغربي إلى أنه حتى في حال وقوع أضرار، فإن التوازن الاستراتيجي بين الطرفين لن يتغير، وأن إيران سترد بشكل محدد بهجمات صاروخية، والتي قد تستهدف بعض المباني مرة أخرى كما حدث في المرة السابقة.
وبحسب موقع «المونيتور» الإخباري، ستة أشهر بعد حرب الـ12 يوما، يركز الآن الحكومة الأمريكية على دفع المرحلة الثانية من خطة السلام لدونالد ترامب في غزة، وفي هذا السياق، أي هجوم إسرائيلي جديد على إيران قد يصرف الانتباه الدولي عن هذا المسار ومن هذا المنطلق، أصبح توقيت أي عملية عسكرية متغيرا حاسما وحساسا في الحسابات الإقليمية.
وذكر الموقع أن راز زيمت، مدير برنامج «إيران والمحور الشيعي» في معهد الدراسات الأمنية الإسرائيلي، وصف الوضع بعد حرب الـ12 يوما بأنه شديد عدم الاستقرار، مؤكدا أن الطرفين يديران حاليا «الاشتباك» ولكن من غير الواضح إلى متى سيستمر هذا الوضع.
وأوضح زيمت أن المخاوف الرئيسية لإسرائيل تتبلور في سيناريوهين: الأول، خطأ في الحسابات من أحد الطرفين، وهو احتمال أقل حدوثا، والثاني ــ والأرجح حسب رأيه ــ عودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم.
عودة الضغط الأقصى؛ الحرب معلقّة والعقوبات في الأولوية
أوضحت مصادر دبلوماسية أمريكية قالت إن دونالد ترامب في المرحلة التالية يفضل بدلا من التوجه نحو مواجهة عسكرية مع إيران، اختيار مسار «تشديد العقوبات القصوى»، وهو نهج يُفترض أن يفرض ضغوطا أشد ويحقق تأثيرا أسرع على طهران.
وأضاف الموقع أن هذه المصادر أكدت أن وزارة الخزانة الأمريكية تُعد حزمة من العقوبات ضد قادة الحرس الثوري الإيراني، بهدف تقويض نفوذهم في عملية صنع القرار، ودفع طهران نحو الدخول في مفاوضات جدية خلال الربع الأول من عام 2026.
وأوضحت المصادر أيضا أن خيار الحرب كـ«حل نهائي» مُؤجل لما بعد انتخابات الكونغرس.
وأشار الموقع إلى أنه في الوقت نفسه، يتردد في الأوساط السياسية احتمال قيام إسرائيل بعمل عسكري بدعم أمريكي، في مقابل ما صرح به محمدباقر قاليباف، رئيس برلمان إيران، من رفض احتمال اندلاع حرب جديدة، مؤكدا أن مسار الدبلوماسية ما زال مفتوحا وأن إدارة ترامب ذكرت في وثيقة استراتيجية الأمن القومي أن مستوى تهديد إيران قد انخفض.
واختتم الموقع بالقول إن هذه التطورات مجتمعة تشير إلى أن الملف الإيراني–الأمريكي على أعتاب عام 2026 دخل مرحلة شديدة السيولة، مرحلة لا تزال فيها الدبلوماسية مفتوحة جزئيا، لكنها تتحرك تحت ظل الضغط الأقصى، والتهديد العسكري، وانعدام الثقة العميق وأن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل المسار من التفاوض إلى المواجهة، وهو مسار ستكون تكاليفه حاسمة ليس فقط لطهران وواشنطن، بل للمنطقة بأكملها.