Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

مفاجأة مهرجان "كان".. فيلم ياباني يثور ضد إيقاع الحياة السريع

#
کاتب ٢    -      79 مشاهدة
20/05/2026 | 11:51 PM

بين العروض السينمائية والسجادة الحمراء المضبوطة بالدقائق والإيقاع السريع في مهرجان "كان"، برز فيلم ياباني يطرح مقاربة مختلفة للزمن والعلاقات الإنسانية.
فيلم "فجأة" (All of a Sudden) للمخرج الياباني ريوسوكي هاماغوتشي، الممتد على ثلاث ساعات، أصبح أحد أبرز الأعمال المرشحة بقوة لنيل السعفة الذهبية، بفضل إيقاعه المتأني وسرده الحساس الذي يدعو إلى التمهل ومنح الآخرين الوقت الذي يستحقونه.
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس" فإن الفيلم حظي بإشادة واسعة في دورة هذا العام، واعتُبر من أبرز مفاجآت المهرجان، ليس فقط بسبب موضوعه، بل لقدرته على خلق إيقاعه الخاص في بيئة سينمائية يغلب عليها الاستعجال.
ويرى نقاد أن العمل يمثل "إعادة ضبط" لإحساس المشاهد بالزمن، خصوصا في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة بشكل غير مسبوق. ولهاماغوتشي نجاحات سابقة، وهو المعروف بأسلوبه الهادئ والمتأمل، لذلك فهو لا يبدو غريبا عن هذا التوجه.
فقد حقق فيلمه السابق "قُد سيارتي" (Drive My Car) عام 2021 نجاحا عالميا لافتا، تُوّج بترشيحه لأربع جوائز أوسكار، بينها أفضل فيلم، في سابقة للسينما اليابانية.
ويواصل في عمله الجديد استكشافه للزمن والعلاقات الإنسانية، ولكن من خلال سياق مختلف يتقاطع مع قضايا الرعاية والاهتمام بالآخر. تدور أحداث "فجأة" حول "ماري لو فونتين"، مديرة دار رعاية للمسنين في باريس (تؤدي دورها فيرجيني إيفيرا) حيث تحاول تطبيق برنامج يركز على الرعاية الإنسانية القائمة على التعاطف والتواصل المباشر مع النزلاء، مثل النظر في أعينهم وقضاء وقت أطول معهم.
تصطدم تلك المبادئ بواقع العمل اليومي وضغوطه، وهو ما يجعلها تبدو مثالية أكثر من كونها عملية. وتتغير مسارات القصة عندما تلتقي "ماري لو فونتين" بمخرجة مسرحية تُدعى "ماري موريساكي" (تجسد دورها تاو أوكاموتو)، التي تقدم عرضا مسرحيا يضم شابا من ذوي الإعاقة الذهنية (يمثل شخصيته كوداي كوروساكي). 

ينشأ بين المرأتين تواصل عميق يبدأ بمحادثة تمتد طوال الليل إلى اليوم التالي، قبل أن يتحول إلى علاقة تتطور تدريجيا، وتنعكس آثارها على أجواء دار الرعاية، في مسار درامي يتجه نحو تأملات أعمق حول إمكانية التواصل الإنساني الحقيقي.
ويقرّ هاماغوتشي بأن الفيلم يعكس جزءا من قناعاته الشخصية حول صناعة السينما، مشيرا إلى أنه استلهم فكرة "الرعاية الإنسانية" من خارج المجال السينمائي، قبل أن يكتشف أوجه تشابه عديدة بينها وبين بيئة العمل في صناعة الأفلام، خاصة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الأفراد داخل المنظومة.
عدم الارتياح دافعا إبداعيا
وعلى عكس الكثير من الأفلام التجارية التي تعتمد على دفع الأحداث بشكل متسارع، يعبّر المخرج الياباني عن تحفظه تجاه هذا الأسلوب، موضحًا أنه يعتمد على "عدم الارتياح" باعتباره دافعا إبداعيا، ويرفض فرض مسارات درامية مصطنعة فقط لجعل الفيلم أكثر إثارة.
ويقول إن ما يسعى لتسجيله ليس المشاعر الجاهزة التي يحضرها الممثلون مسبقا، بل تلك التي تنشأ من التفاعل الحقيقي بينهم، وهو ما يتطلب وقتا ومساحة.

وينسحب التوجه نفسه على طريقة العمل في موقع التصوير، إذ انتقد هاماغوتشي بعض الممارسات في صناعة السينما، هاصة تلك التي لا تعامل الممثلين باعتبارهم أشخاصا، بل أدوات لإنتاج المشاعر.
ويسعى المخرج الياباني بدلًا من ذلك إلى توفير بيئة أقرب إلى فلسفة "الرعاية الإنسانية"، قائمة على الاحترام والتفاعل الإنساني.
وقد صُوّر الفيلم على مدى خمسة أشهر داخل دار رعاية حقيقية في باريس، بمشاركة عدد من النزلاء الذين أدوا أدوارا ثانوية (كومبارس) في العمل.
ويشير المخرج إلى أن الاحتكاك المباشر مع هؤلاء المسنين كشف له عن نوع من "التقبل الهادئ" لما ينتظرهم، مضيفا أنه رغم صعوبة الجزم بتأثير هذه التجربة على نظرته للموت والمرض، فإنه بات يؤمن بأن الإنسان قادر دائما على إيجاد طرق للعيش أو للعثور على السعادة، مهما كانت النهايات.
في فيلمه الجديد، لا يقدّم هاماغوتشي مجرد حكاية إنسانية، بل يقترح أيضا تصورا مختلفا للسينما نفسها، سينما تتأنى وتنصت وتعيد الاعتبار للزمن بوصفه عنصرا أساسيا في فهم الآخر، وهو ما قد يمنحه في نهاية المطاف موقعا متقدما في سباق السعفة الذهبية.