بقلم: قاسم العسكري
في مشهد نقدي عراقي متعثر، لم تعد الكتلة النقدية مجرد رقم في تقارير البنك المركزي، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمصرف، وكشفٍ جديدٍ عن حجم هائل للفساد يفوق الخيال.
فما إن تغيب الشمس عن شارع بغداد حتى تدرك أن النقود الورقية لم تعد تعيش في خزائن المصارف، بل تستقر في حقائب المواطنين وتحت وسائدهم، خوفاً من نظام مصرفي يفتقر إلى الشفافية والأمان، وهنا تتشكل الكتلة النقدية الأولى التي تعكس واقعاً اقتصادياً هشاً، لكن المفاجأة الأكبر كانت مع الكتلة النقدية الثانية التي أطلت برأسها بعد الحملة التي قادها رئيس الوزراء علي الزيدي ضد الفاسدين، حيث كشفت الأرقام عن وجود كتلة نقدية طائلة تقدر بملايين الدولارات مكدسة في صناديق الفاسدين وخزائنهم السرية.
هذا الرقم الخيالي لم يعد مجرد خبر عابر، بل تحول إلى سؤال ثقيل: كيف يمكن لدولة أن تعيش كتلتين نقديتين متضاربتين، الأولى تعاني من التضخم والجمود بسبب انحباس السيولة لدى المواطن، والثانية تغذيها صفقات الفساد والتهريب.
وفي خضم هذه المعادلة، يصبح المصرف العراقي طرفاً غائباً، بينما يقف المواطن وجهاً لوجه مع كتلة فساد أكبر من حجم اقتصاده الوطني، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ستكون هذه الحملة بداية لاستعادة الثقة وإعادة النقود إلى دورتها الطبيعية، أم أنها مجرد حلقة أخرى في مسلسل طويل من الكشف دون عقاب.
وفي كل الأحوال، فإن هذا المشهد النقدي المزدوج لا ينذر بانهيار اقتصادي فحسب، بل يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكاً رغم كل الأزمات، فالعراق اليوم يحتاج إلى أكثر من حملة تصحيح، يحتاج إلى إعادة تعريف للعلاقة بين المواطن ونقوده، وبين الدولة ومؤسساتها، وإلى جرأة غير مسبوقة في مواجهة الفاسدين الذين تحولت أموالهم إلى كتلة نقدية موازية تعطل أي إصلاح حقيقي.