أبرمت السعودية وباكستان وتركيا، الجمعة، اتفاقًا دفاعيًا مشتركًا، بحضور ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.
ويأتي هذا الاتفاق بعد تكهنات لأشهر حول اعتزام الدول الثلاث، المسلمة السنيّة، بناء تحالف قوي مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط.
وكان قد وصل، الخميس، شهباز شريف مع قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، إلى المملكة في زيارة تستمر إلى غاية السبت. فيما وصل أردوغان، الجمعة، وفق ما أفاد به الإعلام الرسمي.
فيما وصل "رئيس تركيا رجب طيب أردوغان يصل إلى جدة"، حيث من المقرر أن يعقد قمة مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف.
السعودية تؤسس تحالفا دفاعيا بحريا متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر
وأكد بيان رسمي سعودي أن بن سلمان وأردوغان وشريف عقدوا "قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك"، واستعرضوا العلاقات بين الدول الثلاث إلى جانب مناقشة عدد من "القضايا ذات الاهتمام المشترك"، قبل توقيع اتفاق يستند "إلى المصالح الإستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق".
"تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء"
الاتفاقية تهدف إلى "تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء". كما تنص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع".
كما أنها "تعكس حرص الدول الثلاث على تعزيز أمنها المشترك وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم"، وتُعنى "بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي" بينها، وفق نص البيان.
ومنذ اندلاع الحرب في المنطقة على إثر هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران، في 28 فبراير/شباط، تعززت علاقة السعودية بتركيا ومصر وباكستان، وذلك في إطار تحالف رباعي كان له دور مهم في الوساطة بين طهران وواشنطن من أجل حلّ النزاع.
وخلال الحرب، تعرّضت السعودية وغيرها من الدول الخليجية لضربات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
كما يأتي تعزيز التحالف بين هذه القوى الكبرى في العالم الإسلامي في إطار إعادة تشكيل معالم العلاقات الإقليمية والدولية في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. ومازاد، أيضا، من أهمية هذا التحالف هو الثقل السياسي والاستراتيجي الذي تتمتع به كل دولة من الدول المشاركة. فالسعودية تمتلك نفوذًا دوليًا وإقليميًا بفضل مكانتها في سوق الطاقة العالمي ودورها المحوري في تصدير النفط، بينما تعد تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي، في حين تمتلك باكستان قدرات نووية تجعلها لاعبًا مهمًا على الساحة الأمنية الإقليمية.
"ليس تكتلاً مذهبيًا ولا مرتبطًا بمساع نووية"
وتنظر تل أبيب بقلق إلى هذا التحالف، إذ ترى فيه تحولًا لافتًا في العقيدة الأمريكية خلال ولاية ترامب، التي لم تعد تُبدي اعتراضًا على بروز محور إقليمي جديد في الشرق الأوسط من دون أن تكون إسرائيل جزءًا منه. ويتجسد هذا المحور اليوم في التقارب التركي-السعودي-الباكستاني، بما يحمله من إمكانات للتعاون بين باكستان، الدولة النووية، والسعودية، صاحبة الثقل الاقتصادي في الخليج، وتركيا التي حققت تقدمًا كبيرًا في مجال الصناعات والتكنولوجيات الدفاعية، حسب مقال لموقع الجزيرة.
لكن وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، رائد قرملي، قال إن الاتفاقية لا ترتبط بـ "مساعٍ نووية"، ولا تشكل تهديدًا لأي دولة في المنطقة. وكتب على منصة إكس: "لا تمثل الاتفاقية أي توجه لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي/مذهبي. وهي ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، بل ببناء قدرات ذاتية مستدامة".
من جهتها، تتطلع تركيا إلى بناء علاقات مع المملكة العربية السعودية في الجانبين الأمني والعسكري والاقتصادي ، حيث تسعى لتركيز نفسها كقوة إقليمية ا. كما تسعى إلى المشاركة في حلف إقليمي يكون بعيدًا عن الضغوطات والمساومات الأوروبية والأمريكية أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع تركيا بعلاقات كثيرة مع دول الخليج، ما يمكنها من توسيع نفوذها في المنطقة.
أما إسلام آباد، فأنها ستستفيد من هذا التحالف عبر ضمان الدعم الاقتصادي السعودي وتوسيع دور الجيش الباكستاني وإثبات نفوذه بالرغم من أن باكستان باتت دولة إقليمية لها كلمتها. ويجب الإشارة إلى أن هذه الدول الثلاث هي دول سنية. لكن هذه النقطة لا تبدو مرجعية أو أساسية بل فرضتها الظروف والسياقات الجديدة. ورغم ذلك سيتم التعامل مع هذا التحالف والاتفاقية الدفاعية على أساس هذه الصيغة.
كيف سينعكس التحالف الجديد على المنطقة مع استمرار حرب إيران؟
يوجه هذا الاتفاق الدفاعي رسائل مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مفادها أن هناك قوة إقليمية باتت قادرة على بناء ترتيبات وتحالفات دفاعية مستقلة بعيدًا عن الضغوط الخارجية. غير أن الرسالة الأبرز تبدو موجهة إلى طهران، التي تدرك أن هذا التحالف الناشئ قد يستهدف ذلك إيران بصورة مباشرة، عبر الضغط على قدرات الحرس الثوري، أو بصورة غير مباشرة من خلال مواجهة مع محور المقاومة ، لا سيما في ظل التباينات الأيديولوجية والسياسية القائمة بين طهران وهذه الدول الثلاث.
ما هو الموقف الإسرائيلي من التحالف السعودية الباكستاني التركي؟
يتسم الموقف الإسرائيلي من هذا التحالف بازدواجية واضحة، حيث إن تل أبيب ستغض النظر عنه لأنه لا يستهدفها بالدرجة الأولى. فهي تدرك في إطار تقدير الموقف أن الهدف منه إيران، حتى إنها لا تمانع ذلك. بل إن إسرائيل والولايات المتحدة قد تفضلان أن تضطلع دول المنطقة بدور أكبر عسكريا في مواجهة النفوذ الإيراني. لكن مشاركة دول عربية وإسلامية إلى جانب إسرائيل في مواجهة إيران عسكريًا وأمنيا، وستكتفي بإصدار بيانات أو مواقف إعلامية.لكن الحقيقة، هناك ما يمكن وصفه بالحسابات السرية والهواجس الإسرائيلية خلف الكثير من التحفظات، حيث إن باكستان لا تملك علاقات طيبة مع إسرائيل، لاسيما على خلفية تحالفها مع الهند، العدو التاريخي لباكستان، إلى جانب علاقات وثيقة بين الجانبين.
أما في ما يتعلق بالنفوذ العسكري التركي في المنطقة، خاصة في ظل القيادة التركية الحالية، فإن العلاقات التركية-الإسرائيلية تشهد حالة من الشد والجذب والتوتر المستمر. وقد تجلى ذلك في التصعيد الإعلامي والسياسي الذي تنتهجه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتشددة تجاه أنقرة، على خلفية اتهامها للرئيس أردوغان بالانحياز إلى حركة حماس والفصائل الفلسطينية، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب في قطاع غزة.
ويبقى السؤال الاستراتيجي المطروح: هل سيستمر هذا التحالف بعد انتهاء الحرب في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن مآلاتها، سواء تمثلت في إضعاف إيران او نجاح ايران في كسر التحالف الصهوي امريكي عليها ؟
تبدو فرص استمرار هذا التحالف قائمة، انطلاقًا من احتمال حدوث تحولات في الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة، بما في ذلك تقليصه أو إعادة تموضعه، وما قد يترتب على ذلك من سعي القوى الإقليمية إلى ملء أي فراغ أمني محتمل. وفي هذا السياق، قد يشكل التحالف التركي-السعودي-الباكستاني إطارًا للتعامل مع هذا الفراغ وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية. كما يُتوقع أن يظل احتواء النفوذ الإيراني أحد أبرز دوافعه، في ظل تقديرات تفيد بأن إسرائيل قد تتعامل معه بقدر من البراغماتية ما دام لا يتعارض مع مصالحها الأمنية، بل يركز على مواجهة الجمهورية الإسلامية.