Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

الرواتب تحت رحمة النفط والهيمنة الأمريكية.. كيف تحولت أموال العراق إلى ورقة ضغط؟

#
كاتب 3    -      1313 مشاهدة
8/08/2026 | 11:06 AM

تتصاعد المخاوف في العراق بشأن قدرة الحكومة على تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين، في ظل أزمة سيولة متفاقمة وتراجع الإيرادات، فيما تتجه أصابع الاتهام نحو جملة من العوامل الداخلية والخارجية، في مقدمتها الاعتماد المفرط على النفط، وسوء الإدارة والفساد، فضلاً عن استمرار الضغوط والقيود الأمريكية على حركة الأموال والإيرادات العراقية، ما يضع المالية العامة أمام اختبار صعب ويجعل ملايين الموظفين والمتقاعدين في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة.
 
ويرى سياسيون أن استمرار ارتباط جزء من الإيرادات النفطية العراقية بآليات مالية تخضع لتأثيرات أمريكية يمثل أحد أبرز مصادر القلق، خصوصاً أن أي اضطراب في تدفقات النفط أو حركة الأموال ينعكس سريعاً على قدرة الحكومة على تمويل النفقات العامة، وفي مقدمتها الرواتب.

 

وفي هذا السياق، قال النائب السابق ياسر الحسيني، في تصريح تابعته وكالة فيديو الإخبارية، إن الأزمة المالية العراقية لم تولد اليوم، وإنما هي حصيلة تراكمات امتدت لأكثر من عقدين نتيجة السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة، إلى جانب طبيعة العلاقة المالية والسياسية مع الولايات المتحدة.
 
وأشار الحسيني إلى أن الأموال العراقية ما تزال خاضعة لسطوة وتأثير الأمريكيين رغم تعاقب الإدارات في البيت الأبيض، معتبراً أن استمرار هذا الوضع يمثل انتقاصاً من قدرة العراق على إدارة موارده المالية بصورة مستقلة، ولا ينسجم مع مفهوم السيادة الاقتصادية للدولة.
 
وأضاف أن واشنطن لا تتحكم فقط بمسارات السياسة، بل إن القيود المفروضة على حركة الأموال العراقية تجعل الاقتصاد عرضة للضغوط الخارجية، خصوصاً مع اعتماد الدولة بشكل رئيس على عائدات النفط.
 
وبيّن الحسيني أن الأزمة لا تقف عند العامل الخارجي، إذ إن جزءاً كبيراً من المشكلة يرتبط أيضاً بطريقة إدارة الإيرادات غير النفطية، متهماً الطبقة السياسية بالاستحواذ على موارد اقتصادية مهمة وتوظيفها لمصالح حزبية، فضلاً عن العقود طويلة الأمد التي أبرمت في عدد من القطاعات وتمتد بعضها لعقود، ما يحرم الدولة من الاستفادة الكاملة من مواردها.
 
وأكد أن المعادلة الحالية تضع العراق أمام مشكلة مزدوجة؛ فمن جهة، إيرادات نفطية تتأثر بالأسواق العالمية والقيود الخارجية، ومن جهة أخرى موارد غير نفطية لا تستثمر بالشكل الذي يمكن أن يوفر مورداً مستقراً للموازنة.
 

من جانبه، قال عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، في تصريح تابعته وكالة فيديو الإخبارية، إن الأزمة المالية الحالية نتاج مجموعة متشابكة من العوامل، أبرزها التوترات الإقليمية التي أثرت في طرق إمدادات الطاقة العالمية، فضلاً عن اعتماد العراق بصورة شبه كاملة على النفط كمصدر رئيس للإيرادات.
 
وأوضح كوجر أن اضطراب حركة صادرات النفط يمثل خطراً مباشراً على المالية العراقية، لأن أي انخفاض في الإيرادات النفطية يترك أثراً سريعاً على قدرة الحكومة في تمويل نفقاتها، مشيراً إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يصعّب مهمة تأمين الرواتب خلال الفترة المقبلة ما لم تتم معالجة أسباب الأزمة.
 
وأضاف أن فارق سعر صرف الدولار بين السعر الرسمي والسوق الموازية، إلى جانب الفساد المستشري في عدد من مؤسسات الدولة، أسهما في تعقيد الوضع المالي وزيادة الضغوط على الموازنة.
 
ودعا كوجر إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة وتنشيط القطاعات غير النفطية، مؤكداً أن استمرار الاقتصاد العراقي رهينة لبرميل النفط يجعل أي ضغط خارجي أو أزمة إقليمية قادراً على تهديد الاستقرار المالي والاجتماعي داخل البلاد.

 

وفي السياق ذاته، قال النائب مصطفى عبد الهادي إن الأزمة الحالية ترتبط بعدة عوامل، من بينها المتغيرات الاقتصادية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن سوء الإدارة وهدر المال العام، مؤكداً أن المواطن العراقي لم يعد معنياً بسلسلة المبررات، بقدر ما يواجه نتائجها بشكل مباشر في حياته اليومية.
 
وأضاف أن استمرار أزمة الرواتب من دون حلول حقيقية يمثل إخفاقاً يستوجب من مجلس النواب تفعيل دوره الرقابي، وعدم الاكتفاء بإصدار البيانات، بل الانتقال إلى تحديد الجهات المقصرة ومحاسبتها والعمل على معالجة أسباب الأزمة.
 
وشدد عبد الهادي على أن رواتب الموظفين والمتقاعدين حق دستوري وقانوني، وليست منّة من الحكومة أو أي جهة سياسية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تضمن استمرار صرفها وعدم تحويل الأزمة المالية إلى عبء جديد على المواطن.
 
وبين ضغوط الخارج وفساد الداخل، تبدو المالية العراقية عالقة في معادلة خطرة؛ اقتصاد يعتمد على النفط، وإيرادات تتأثر بالتقلبات الجيوسياسية، وموارد غير نفطية لا تزال دون مستوى الطموح، في وقت يرى فيه مراقبون أن واشنطن ما تزال تمتلك أدوات ضغط مؤثرة على حركة الأموال العراقية.
 
وفي النهاية، فإن أزمة الرواتب لم تعد مجرد مشكلة مالية مؤقتة، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة الدولة العراقية على امتلاك قرارها الاقتصادي وإدارة مواردها بعيداً عن الضغوط الخارجية، وفي مقدمتها الضغوط الأمريكية، بالتوازي مع تفكيك منظومة الفساد والهدر الداخلي. فاستمرار ارتهان الاستقرار المعيشي لملايين العراقيين بتقلبات النفط والقرارات الخارجية يعني أن الأزمة ستبقى قابلة للتكرار، ما لم تتحول الحكومة من إدارة الأزمة إلى استعادة السيطرة الفعلية على موارد البلاد وبناء اقتصاد لا يمكن ابتزازه سياسياً.