أعلن وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير ووزير التراث عميحاي إلياهو الإسرائيليان، المنتميان إلى حزب "القوة اليهودية" الديني المتطرف والمشارك في الائتلاف الحكومي، الإثنين 24 أغسطس/ آب العثور على حطام السفينة "ألتالينا".
وقال عميحاي: " على عمق 503 أمتار قبالة الساحل الإسرائيلي، تم تحديد موقع حطام السفينة "ألتالينا" وهي سليمة، بعد 78 عاما على الحدث المؤلم والمؤسف الذي هز إسرائيل الناشئة" ان ذاك .
وبدوره علق بن غفير: "إننا نغلق الدائرة التاريخية لواحد من أكثر الأحداث إيلاما وتأثيرا في تشكيل المجتمع الإسرائيلي".
ومن جانبه، عبر رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو عن سعادته بالعثور على حطام السفينة، موضحا "بالنسبة لي، وأنا واثق من أن الأمر كذلك بالنسبة لكم أيضا أيها المواطنون الإسرائيليون، إنها لحظة مؤثرة، ولحظة تأسيسية".
"كان من الممكن أن تتطور لحرب أهلية"
قتل في العملية 16 عنصرا من منظمة "الإرغون" وثلاثة جنود إسرائيليين، فيما أصابت قذيفة السفينة، مسببة في اندلاع حريق على متنها. وظل حطام السفينة مرئيا قبالة الساحل لنحو عام قبل أن يغرق في عام 1949 ويختفي عن الأنظار، إثر نقله إلى عرض البحر
وبحسب المؤرخة أوفيرا غرويس كوفالسكي، من جامعة حيفا، "لا شك أن قضية ألتالينا تظل واحدة من أكثر المراحل إثارة للجدل في المجتمع والحياة السياسية الإسرائيليتين"، قبل أن تضيف: "كان من الممكن أن تتطور هذه الحادثة إلى حرب أهلية ان ذك.
لقد وضعت هذه الحادثة المعسكرين السياسيين اللذين لهما دور في تشكيل إسرائيل في مواجهة بعضهما البعض. وفي 1977، تولى مناحيم بيغن رئاسة الوزراء، ما شكل صعود اليمين القومي إلى السلطة، منهيا حقبة الحركة الاشتراكية التي أسس لها ديفيد بن غوريون.
واستحضار ذكرى غرق سفينة ""ألتالينا" "يعيد المواجهة بين اليمين واليسار الإسرائيليين إلى صلب النقاش العام"، بحسب أفيرا غرويس كوفالسكي، موضحة أن "بن غوريون كان يتهم أعضاء اليمين بممارسة العنف ومحاولة القيام بانقلاب، بينما كان اليمين يتهم اليسار بالسعي إلى التصفية الجسدية لخصومه السياسيين"
"القرار المأساوي بفتح النار" على السفينة"
يحيي رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، المحسوب على الخط السياسي لمناحيم بيغن، كل عام ذكرى ضحايا سفينة "ألتالينا" في موقع تدميرها. وعند إعلان العثور عن حطامها، لم يفوت نتانياهو الفرصة للإشادة بمقاتلي منظمة "الإرغون"،
وتشير صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إلى أنه رغم دعوته للوحدة، لم ينزعج رئيس الوزراء من التقليل من قيمة خصومه السياسيين. فقد أوضح نتانياهو أن بن غوريون، من وجهة نظره، اتخذ "القرار المأساوي بفتح النار" على السفينة، في حين أنها كانت تحمل أسلحة حيوية لمقاتلينا في حرب الاستقلال".
ويرى المؤرخ يوآف غيلبر أن هذا الخطاب لا يمكن اعتباره مسألة دون جدوى، وإنما "يندرج في إطار الحملة الانتخابية، فهي ضربة إعلامية في عز الصيف -عادة راكد سياسيا- ومؤشر على حالة الانقسام التي يعاني منها المجتمع الإسرائيلي".
وتجرى الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين الأول لاختيار أعضاء الكنيست المئة والعشرين. وتقول صحيفة "هارتس"، إن رئيس الوزراء وجد "التوقيت المثالي" لإخراج ورقة قضية "ألتالينا".
وجاء في افتتاحيتها: "مع اقتراب موعد الانتخابات، تصبح كل الوسائل مناسبة لتصدر العناوين الرئيسية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بقضية حساسة مثل "ألتالينا"، وهي السفينة التي كانت تنقل أسلحة إلى منظمة ‘الإرغون‘، الميليشيا التي شكلت أداة لتأجيج كراهية اليمين المتطرف لليسار على مدى نحو 80 عاما".
وتضيف الصحيفة: "إن ‘اكتشاف‘ ‘ألتالينا‘ قبيل الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ الحركة الصهيونية يغذي الهجمات ضد اليسار بشكل كبير، ويخدم الرواية الزائفة التي يتبناها اليمين ويروج لها بحماس رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو".
ذكرى ‘ألتالينا‘ استغلها نتن ياهو لأغراض الدعاية الانتخابية"
أعرب أحد الشهود الرئيسيين على تلك المأساة عن استيائه أيضا من هذا الاستغلال السياسي. يتعلق الأمر بالمؤرخ شاؤول فريدلاندر، المتخصص في دراسة الهولوكوست. كان الناجي الوحيد من أسرته بعد الحرب العالمية الثانية، وعضوا آنذاك في "هابونيم" -حركة الشباب الصهيوني التابعة لحزب "ماباي"، أول حزب حاكم في إسرائيل بقيادة ديفيد بن غوريون.
كان يبلغ من العمر 15 عاما عندما صعد على متن سفينة "ألتالينا" من فرنسا محاولا الهجرة إلى إسرائيل. ويقول فريدلاندر: "إن الخلاف حول توزيع الأسلحة، وتحديدا الإصرار على بقاء جزء منها في أيدي وحدات منظمة الإرغون‘ في القدس، هو الذي حول "ألتالينا‘، التي كانت سفينة إمداد، إلى امتحان مصيري لسلطة الدولة الناشئة".
وكتب في صحيفة "هارتس": "لا ينبغي استغلال ذكرى ‘ألتالينا‘ اليوم كأداة للدعاية الانتخابية من الجناح الأكثر تطرفا في المجتمع، أي أحفاد أولئك الرجال المندفعين الذين تحدوا بأعمالهم إرادة مناحيم بيغن". ويضيف: "لم يتراجعوا أمام خطر اندلاع حرب أهلية، في حين كان بن غوريون ومعظم قادة ‘الييشوف‘ -أي المجتمع الصهيوني في فلسطين- لا يطمحون إلى الوحدة فحسب، بل كانوا يدركون أنها مسألة حيوية في لحظة بالغة الأهمية من عمر الدولة للقيطة
انتشال "ألتالينا" وتحويلها لمعلم تاريخي؟
كما سخر الصحافي في "جيروزاليم بوست" أموتس آسا-إيل من هذا القرار الذي يهدف في المقام الأول حسبه إلى "إحياء أسطورة سياسية لصرف انتباه الناخبين الإسرائيليين عن الاقتراع". ويتابع: "إن العثور على هيكل "ألتالينا" المتحلل لن يضيف أي جديد لفهم أحداث حزيران/يونيو 1948، لكنه سيستخدم لتغذية الأسطورة القائلة بأن الحرب الأهلية اندلعت فجأة بسبب بن غوريون، وأن من حال دون وقوعها هو الشخص نفسه الذي تسبب فيها في الواقع".
ويضيف "لكن بالنسبة لـ‘بيبي‘ -يقصد نتانياهو- لا أهمية للحقائق، فما يهمه هو إمكانية، حتى لو كانت ضئيلة، صرف الانتباه عن الانتخابات المقبلة، وتحديدا عن دوره في أسوأ كارثة شهدتها إسرائيل"، في إشارة إلى هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على إسرائيل والحرب التي تلته في غزة.
أما المؤرخ يوآف غيلبر، فيرى في الأمر مجرد "دعاية إعلامية". ويقول: "ترتكب الحكومة الإسرائيلية الحالية العديد من التصرفات غير العقلانية، وهذا الإجراء واحد منها، شأنه شأن قرارات أخرى كثيرة". ليخلص إلى أنه: "لن يتم انتشال حطام السفينة، وسينسى نتانياهو هذه القضية بمجرد مرور الانتخابات وصعودة مرة اخرى للرئاسة الوزراء.