Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

أفتاء ..الآلة

#
کاتب ١    -      16 مشاهدة
8/09/2026 | 11:34 PM

إذا كان المقصود بـ«المفتي» الشخص أو الجهة التي تملك أهلية الإفتاء وتتحمل مسؤولية الحكم الشرعي، فمجرد كون البرنامج قادرًا على توليد أجوبة فقهية لا يجعله مفتيًا.
فالبرنامج قد يقوم بعمليات نافعة جدًا: يسترجع نصوصًا، يقارن أقوالًا، يلخص مذهبًا، أو يطابق سؤالًا بفتوى سابقة. لكن القدرة على محاكاة مخرجات المفتي ليست هي عين صفة المفتي.
وهنا ينبغي الحذر من جعل المسألة تقنية محضة. فالإفتاء ليس وظيفة لغوية فقط، وإنما يتضمن ـ بحسب التصور الفقهي ـ فهم السؤال والواقعة، ومعرفة الأدلة ومواقع الخلاف، والتمييز بين العام والخاص والمطلق والمقيد، ومعرفة متى ينطبق الحكم على الواقعة ومتى لا ينطبق، فضلًا عن المسؤولية عن القول.

هذه الأسئلة تضعها في قلب النقاش رسالة ماجستير للباحث عمر عامر بعنوان "الإفتاء الآلي بين النظر الشرعي وتحديات التلقي البشري: دراسة تحليلية نقدية في عصر الذكاء الاصطناعي"، مقدمة إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية – شعبة الفقه وأصوله بجامعة أفريقيا الفرنسية العربية، بجمهورية مالي.
لا تتعامل الدراسة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا ينبغي إبعاده عن المجال الديني، ولا باعتباره بديلًا جاهزًا للعلماء، وإنما تنطلق من واقع أصبح فيه الحصول على جواب ديني لا يحتاج إلى الوصول إلى مفتٍ أو مؤسسة دينية؛ يكفي أن يكتب المستخدم سؤاله في إحدى منصات الذكاء الاصطناعي، ليحصل خلال ثوان على إجابة مكتملة الصياغة، تبدو أحيانًا أكثر ثقة وحسمًا من إجابة بشرية.
وهنا تحدد الرسالة مشكلتها: هل يمكن إسناد مهمة الفتوى إلى الذكاء الاصطناعي؟ وما حدود الاعتماد عليه؟ وكيف يمكن استخدامه أداة مساعدة دون أن تنتقل إليه السلطة الدينية نفسها؟ وتضع إلى جوار هذه الأسئلة سؤالًا آخر يتعلق بما تسميه الفارق بين "الاستفتاء البشري"، الذي يستوعب السياق والمآلات وحال السائل، و"البحث الآلي"، الذي يقوم على التوليد الاحتمالي للنص.
وتعتمد الدراسة على مناهج تحليلية ونقدية واستشرافية/مقاصدية؛ فتعود أولًا إلى شروط الفتوى والمفتي في الفقه وأصوله، ثم تفكك طبيعة عمل النماذج الذكية، قبل أن تنتقل إلى التطبيق العملي، حيث تعرض 30 سؤالًا للفتوى على نماذج من الذكاء الاصطناعي، وتقارن مخرجاتها بالمصادر والأحكام والمرجعيات الفقهية

ومن أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟".

جاء جواب أحد نماذج GPT-3.5 Turbo Instruct بأنه يجوز المسح عليها، لكنه أضاف أنه "ينصح باستخدام مادة مضادة للبكتيريا"، ثم انتقل إلى عبارة أخرى عن جواز أن "تجمع المرأة الجوارب بعد الصلاة سواء كانت محجبة أو لا". وهي إضافات لا علاقة لها أصلًا بالمسألة الفقهية المطروحة.
وتقابل الدراسة ذلك بالخلاف الفقهي المعروف حول إلحاق الجورب بالخف وشروطه عند المذاهب، لتخلص إلى أن النموذج لم يخطئ فقط في التفصيل، وإنما أقحم مفاهيم طبية واجتماعية لا تمت إلى الحكم بصلة، وقدم عبارات لا تحمل معنى فقهيًا محددًا.
ولم يكن المثال منفردًا. فعندما سئل النموذج عن جمع الصلاة بسبب المطر، أجاب بعدم الجواز إلا في حالات معينة، وذكر بينها "السفر والحضانة".
وهنا تصبح "الحضانة"، وهي من أبواب الأحوال الشخصية، سببًا لجمع الصلاة في جواب أنتجته الآلة، بينما تعرض الدراسة مذاهب الفقهاء في الجمع للمطر وشروط المشقة والمطر والوحل، وترى في إدخال "الحضانة" مثالًا واضحًا على الخلط بين أبواب الفقه.
وتتكرر الظاهرة في سؤال عن رضاع الكبير؛ إذ أجاب النموذج: "نعم يجوز"، وربط ذلك بعبارات تتصل بـ"النوم والقبل والرعاية".
وفي المقابل تستعرض الدراسة موقف جمهور الفقهاء من عدم ثبوت التحريم برضاع الكبير، والخلاف المتعلق بواقعة سالم مولى أبي حذيفة، ثم تعتبر العبارات التي أدخلها النموذج معايير لا وجود لها في البناء الفقهي للمسألة.
واللافت أن الرسالة لا تستخدم هذه الأمثلة لإثبات أن الذكاء الاصطناعي يخطئ دائمًا؛ فهي تسجل له في مواضع أخرى إجابات صحيحة إجمالًا، بل وترصد ضمن نقاط قوته سرعة الاستجابة، والتغطية العامة الجيدة لبعض المسائل المعاصرة، والإشارة إلى مواطن الخلاف وضرورة الرجوع إلى المختصين. لكن المشكلة، وفق خلاصتها التطبيقية، تظهر في نقص التفصيل المذهبي، والخلط بين درجات الأحكام، وضعف توثيق المصادر، وصعوبة التعامل مع السياق والنية والإرادة والظروف الخاصة بالسائل.