Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

مقالات الرأي

#

آخر تحديث: 21/09/2026 | 11:29 PM

106 مشاهدة تقف المملكة العربية السعودية والعراق، وهما جارتان تجمعهما قواسم ثقافية ولغوية مشتركة واحتياطات نفطية هائلة، اليوم على طرفي نقيض؛ فبينما تحولت إحداهما إلى عملاق للبتروكيماويات والتكرير في آسيا عبر تحويل النفط إلى محرك للتصنيع، لا تزال الأخرى تتخبط في دوامة بيع النفط الخام واستيراد المشتقات. تظهر تجربة المملكة العربية السعودية أن تصدير النفط الخام وتطوير الصناعات التحويلية يمكن أن يسير جنباً إلى جنب، بشرط أن تكون الأضلاع الثلاثة لهذا التحول هي: شركة وطنية قوية، وصندوق استثمار مركزي، ومدن صناعية متكاملة على السواحل.

مقدمة
في الاقتصاد السياسي للنفط، لا يُعد عدد الدول التي تجمع بين كونها مصدراً رئيسياً للنفط الخام ومستثمراً ضخماً في الصناعات التحويلية كبيراً. لقد وقعت العديد من الدول الغنية بالنفط في فخ "لعنة الموارد" ولم تتمكن أبداً من تجاوز مرحلة بيع المواد الخام. ولكن بين جيران العراق، هناك دولة سلكت هذا المسار بنجاح.

فالمملكة العربية السعودية، رغم أنها تصدر ما بين 6.5 إلى 7 ملايين برميل من النفط الخام يومياً – أي ما يقرب من ضعف صادرات العراق – استطاعت في الوقت ذاته أن تصبح واحدة من أكبر منتجي المنتجات البتروكيماوية في العالم. ونظراً للقواسم الثقافية، واللغوية، والدينية، والجغرافية المشتركة مع العراق، فإن هذه الدولة قد تكون النموذج الأنسب والمتاح لبغداد.

أرامكو: من شركة نفطية إلى عملاق البتروكيماويات العالمي
في المملكة العربية السعودية، كانت هذه الشركة نفطية دخلت مباشرة في مجال التكرير والبتروكيماويات. شركة النفط الوطنية السعودية (أرامكو)، التي تعد اليوم أكبر شركة نفط في العالم وواحدة من أكبر عشر شركات في العالم من حيث القيمة السوقية، لا تنتج النفط الخام فحسب، بل تمتلك سلسلة القيمة من البترول إلى المنتج النهائي من خلال ملكية 70% من «سابك» – عملاق البتروكيماويات العالمي – والاستثمار في عشرات المصافي المحلية والأجنبية.

بلغ صافي دخل أرامكو في عام 2024 حوالي 106 مليارات دولار، جاء جزء منه ليس من بيع النفط الخام، بل من عمليات التكرير والبتروكيماويات. النقطة المهمة بالنسبة للعراق هي أن أرامكو طرحت في عام 2019 حوالي 1.5% من أسهمها في البورصة، ورغم تقلبات السوق، أظهر هذا الطرح أن حتى عملاقاً حكومياً بالكامل يمكنه جذب موارد جديدة للتطوير من خلال الدخول الشفاف إلى سوق رأس المال. الدرس بالنسبة للعراق هو أن شركات النفط الوطنية في هذا البلد يمكنها أيضاً، بدلاً من أن تكون مجرد منفذ لعقود الخدمات، أن تتحول بنفسها إلى اللاعب الرئيسي في تطوير الصناعات التحويلية.

المصافي العابرة للحدود: استمرار سلسلة القيمة حتى منزل العميل
واحدة من أذكى استراتيجيات المملكة العربية السعودية التي تميزها عن النماذج الأخرى هي شراء والمشاركة في مصافي الدول المستهلكة. فبدلاً من أن تبيع المملكة العربية السعودية النفط الخام فقط إلى الصين، أمريكا، كوريا الجنوبية واليابان، أصبحت شريكة في مصافي هذه الدول.

على سبيل المثال، أرامكو مالكة لأكبر مصفاة في أمريكا (موتيفا)، وفي كوريا الجنوبية هي شريكة في مصفاة S-Oil، وفي الصين لديها عقود تكرير ضخمة مع سينوبك وبتروتشاينا. هذا النموذج من "التكرير العابر للحدود" يضمن أن أرباح معالجة النفط تعود أيضاً إلى جيب الدولة المصدرة بدلاً من أن تذهب فقط إلى جيوب المكررين الأجانب.

بالنسبة إلى العراق، الذي يصدر أكثر من 70 في المئة من نفطه الخام إلى آسيا، يمكن أن تكون هذه الاستراتيجية تحوّلية؛ فبدلاً من أن يبيع النفط الخام فقط إلى الهند والصين وكوريا ثم يشتري المنتجات بسعر أعلى، يمكنه أن يكون شريكاً في مصافي هذه الدول نفسها ويستفيد أيضاً من أرباح المعالجة.

صندوق الاستثمارات العامة (PIF): المحرك المالي للتنمية الصناعية
أنشأت المملكة العربية السعودية صندوق الاستثمارات العامة (PIF) لإدارة الإيرادات النفطية وتوجيهها نحو المشاريع الاستراتيجية. هذا الصندوق، الذي يتم تأمين جزء كبير من موارده بشكل مباشر أو غير مباشر من الإيرادات النفطية وأصول الدولة، يعد أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم بأصول تتجاوز 900 مليار دولار بحلول 2025.

لا يستثمر PIF في المشاريع المحلية الضخمة مثل المدن الصناعية والبتروكيماويات الجديدة فحسب، بل يحقق الربحية ويهيئ الأرضية لنقل التكنولوجيا إلى داخل البلاد من خلال شراء أسهم شركات التكنولوجيا العالمية.

بالنسبة للعراق، فإن إنشاء "صندوق تنمية الصناعات التحويلية" مع تخصيص نسبة ثابتة من إيرادات النفط - مثلاً 5 إلى 10% - يمكن أن يوفر مصدراً مالياً مستداماً وغير مرتبط بالموازنة لإنشاء المصافي، ومجمعات البتروكيماويات، وبنى تحتية لجمع الغاز المصاحب. يمكن لهذا الصندوق، من خلال إدارة شفافة ومستقلة، أن يبقى في مأمن من آفة الفساد والتخصيصات السياسية.

الجبيل وينبع: مدن صناعية متكاملة على السواحل
لعل الدرس الأكثر ملموسية من النموذج السعودي للعراق هو مدينتا الجبيل وينبع الصناعيتان. هاتان المدينتان اللتان شيدتا على سواحل الخليج والبحر الأحمر، ليستا مجرد "منطقة اقتصادية خاصة"، بل هما مدن صناعية متكاملة ببنية تحتية مشتركة تشمل الكهرباء، الماء، البخار، أرصفة مخصصة، خطوط أنابيب، مراكز التدريب التقني والمهني، وسلسلة كاملة تبدأ من المصافي وكسارات الأوليفين وصولاً إلى مصانع المنتجات البلاستيكية والكيميائية النهائية.

تستضيف الجبيل وحدها عشرات المجمعات البتروكيميائية، المصافي، والصناعات التكميلية التي تشكل معاً منظومة صناعية متكاملة. النقطة المثيرة للاهتمام بالنسبة للعراق هي أن بناء هذه المدن بدأ منذ عقد 1970 ومن الصفر تقريباً، وهي اليوم توفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بل واستقطبت عمالاً ومتخصصين من جميع أنحاء العالم - من الهند والفلبين إلى أوروبا وأمريكا.

تعد البصرة بفضل وصولها إلى المياه المفتوحة، ومجاورتها لأكبر حقول النفط في العراق، وقوتها العاملة الشابة الباحثة عن عمل، الخيار الأفضل إنشاء "جبيل عراقية": مدينة صناعية يتحول فيها الغاز المصاحب، بدلاً من حرقه في المشاعل، إلى لقيم للمجمعات البتروكيميائية، وتصدر المنتجات النهائية من أرصفتها إلى الأسواق العالمية.

الخلاصة
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية لجارتها الشمالية أن تصدير النفط الخام وتطوير الصناعات التحويلية ليسا خيارين متناقضين؛ فمن خلال تحويل أرامكو من شركة منتجة للنفط إلى عملاق متكامل للإنتـاج والتكرير والبتروكيماويات، وعبر شراء حصص في مصافي الدول المستهلكة، وتأسيس صندوق ثروة سيادي لتمويل المشاريع الاستراتيجية، وبناء مدن صناعية متكاملة على السواحل، خلقت نموذجاً عملياً وقابلاً للتكرار للعراق.

إن القواسم الثقافية والجغرافية المشتركة تجعل من هذا النموذج لبغداد ليس حلماً بعيد المنال، بل خطة عمل جوار واقعية.

السؤال الآن هو: هل يمكن للبصرة أن تكون الجبيل القادمة في الشرق الأوسط؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تعتمد على الاحتياطيات الجوفية بقدر ما ترتبط بإرادة صانعي السياسات وشفافية المؤسسات العراقية.