الحرب السرية الإسرائيلية في بلوشستان توحّد إيران وباكستان في تحالف نادر

مع تصعيد إسرائيل والهند لجهودهما التخريبية المشتركة في الحزام البلوشي، تعمّق طهران وإسلام آباد التنسيق الأمني لإحباط النزعة الانفصالية المدعومة من الخارج

كاتب 7 27/08/2025 - 12:32 PM 31 مشاهدة
# #

 

عندما زار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باكستان في 2 آب/أغسطس، في أول زيارة له منذ توليه منصبه، كانت التهديدات الأمنية المتصاعدة في محافظة سيستان وبلوشستان الاستراتيجية على رأس جدول الأعمال.
وبدا الاهتمام واضحًا في انضمام منصور بيجار، وهو بلوشي عيّن مؤخرًا محافظًا للمحافظة، إلى الوفد الرئاسي. وأكد البيان المشترك، في ختام زيارة بزشكيان التي استمرت يومين، بلغة غير معتادة في وضوحها، إصرار الجمهوريتين الإسلاميتين على مكافحة الإرهاب على طول حدودهما المشتركة.
يقول منصور خان محسود، المدير التنفيذي لمركز أبحاث المناطق القبلية الباكستانية (FRC) لـ"The cradle:
"يبدو أن طهران وإسلام آباد توصّلتا أخيرًا إلى توافق، وأدركتا أن التوترات في بلوشستان تجاوزت كونها انتفاضة محلية لتصبح لعبة جيوسياسية متعددة الأبعاد. وقد أسرت هذه الحالة عدة أطراف إقليمية سعت إلى التلاعب واستغلال الفصائل الساخطة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية."
طهران تستهدف التدخل الخارجي
قبل حادث تحطم المروحية المميت في 19 أيار/مايو، 2024 الذي أودى بحياة سلف بزشكيان الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، كان كبار المسؤولين الإيرانيين قد اعترفوا علنًا بدور القوى الخارجية في تأجيج الاضطرابات.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك في إسلام آباد في 29 كانون الثاني/يناير، أشار أمير عبد اللهيان إلى أن "دولاً ثالثة" تقدم الدعم للفصائل المسلحة الناشطة في المناطق الحدودية الإيرانية – الباكستانية. وتجنب تسمية الدول، لكنه شدد على أن هذه الأطراف تعرقل باستمرار السياسات التي تخدم مصالح إيران وباكستان.
وفي 28 تموز/يوليو من العام الجاري، ذكرت وكالة "تاس" الروسية أن وزارة الاستخبارات الإيرانية أحبطت تسلل ما لا يقل عن 450 مقاتلاً أجنبياً خلال التصعيد العسكري مع إسرائيل في حزيران/يونيو. وحددت أجهزة الاستخبارات 300 عنصر قرب الحدود الجنوبية الشرقية لإيران، يُعتقد أنهم كانوا يستعدون لشن هجمات عبر الحدود. وخلال حرب الـ 12 يوماً، أفادت التقارير أن الشرطة الإيرانية اعتقلت حوالي 21 ألف شخص بتهم مختلفة.
واتهمت السلطات الإيرانية الكيان الصهيوني بشكل مباشر، مشيرة إلى أن تل أبيب جنّدت ونشرت مرتزقة عبر "جبهة تحرير بلوشستان المتحدة" (BLUF)، وهي فصيل يُعتقد أنه يضم الانفصاليين من بلوشستان الإيرانية والباكستانية.
يقول محسود:
"خلال المواجهة الأخيرة التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، لاحظت طهران وجود ارتباط وثيق بين الانفصاليين البلوش وإسرائيل. وقد أدى تبادلهم للمعلومات الاستخباراتية مع تل أبيب إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة لإيران."
جبهة "ميمري" في بلوشستان
أطلق "معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط" (MEMRI)، وهو مركز أبحاث موالٍ لإسرائيل مقره واشنطن، مشروع "دراسات بلوشستان" في 12 حزيران/يونيو. وترى إيران وباكستان هذه المبادرة كجزء من مسعى منسّق هندي – إسرائيلي لزعزعة استقرار المنطقة.
وبحسب محسود:
"تعزّز إيران علاقاتها مع باكستان في ظل تزايد تقارب المسلحين مع إسرائيل. وسوف يتبلور هذا الارتباط أكثر عندما تغيّر إيران سياساتها وتتخذ إجراءات ضد معاقل حركتي "جيش تحرير بلوشستان" (BLA) و"جبهة تحرير بلوشستان" (BLF) داخل أراضيها. لقد بنت الهند علاقات قوية مع كلتا الحركتين، مما أتاح لها أن تكون جسراً لربطهما بإسرائيل."
وفي الأيام التي سبقت زيارة بزشكيان، عقد "معهد السياسات في إسلام آباد" ندوة طاولة مستديرة في العاصمة الباكستانية، أكدت الحاجة إلى شراكة أقوى لحماية المصالح المشتركة في بيئة جيوسياسية تتغير بسرعة، حيث تواجه الدولتان تحديات مشتركة، بما فيها تلك التي تفرضها إسرائيل.
السيناتور مشاهد حسين، وزير الإعلام السابق ورئيس لجنتي الشؤون الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ،  "المحور الهندي – الإسرائيلي" الناشئ يمثل إنذاراً لكل من إيران وباكستان، مشدداً على ضرورة اتخاذ موقف مشترك:
"دعم باكستان لإيران يبرز الصلة الدائمة بين البلدين، القائمة على المصالح المشتركة والتركيز على مواجهة التحديات التي يواجهانها معاً. لقد واجهت الدولتان عاصفة العدوان القائم على 'ذرائع زائفة'، وكسرتا وهم تفوق الهند وإسرائيل من خلال صمودهما الثابت."
ومن بين من جندتهم "ميمري" لمشروع "دراسات بلوشستان" مير يار بلوش، وهو قومي بلوشي وباحث وقيادي في "حركة بلوشستان الحرة" (FBM). وقد دعا علناً إلى قيام دولة بلوشستان علمانية مستقلة تمتد عبر إيران وباكستان، ويُقال إنه طلب المساعدة من الهند لتحقيق هذا المشروع.
يقول محسود:
"جندت ميمري مير يار بلوش، القيادي في حركة بلوشستان الحرة وأحد قادة فصيل من جيش تحرير بلوشستان، لقيادة المبادرة الموسادية في بلوشستان."
ويعتقد محسود أن التمرد البلوشي يتمحور أساساً حول مجموعتين: فصيل أسلم بلوش من جيش تحرير بلوشستان، المعروف حالياً باسم فصيل بشير زيب، و"جبهة تحرير بلوشستان" بقيادة الدكتور الله نظر.
"القرار باختيار شخص محدود التأثير في بلوشستان أمر مثير، خاصة أن التمرد الحالي يقوده شباب من الطبقة الوسطى يعملون بشكل مستقل عن القيادات القبلية."
بلوشستان: ساحة حرب بالوكالة
إن تزايد نشاط الاستخبارات الإسرائيلية في بلوشستان يكشف حجم تحوّل المنطقة إلى ساحة للنشاطات العدائية بالوكالة.
ويشعر المسؤولون الإيرانيون والباكستانيون بالقلق بشكل خاص من تنامي التعاون بين الموساد والجماعات البلوشية المسلحة مثل جيش تحرير بلوشستان والجبهة البلوشية. فمثل هذا التحالف يمكن أن يغير الأسس الجوهرية لإقليم غني بالمعادن لكنه متخلف تنموياً.
الأسبوع الماضي، أكّد مقال في "يوراسيا ريفيو" أن الموساد منغمس بعمق في عمليات تستهدف الجبهة الجنوبية الشرقية لإيران. وتوفر الحدود الإيرانية – الباكستانية المليئة بالثغرات فرصاً كبيرة للتهريب والتسلل السري والضربات عبر الحدود.
أما الهند، الخصم اللدود لباكستان والتي اشتبكت معها عسكرياً في مايو/أيار، فتهدف إلى إحداث تغييرات داخل باكستان، وفي الوقت نفسه البقاء يقظة أمام "مبادرة الحزام والطريق" الصينية التي تمر عبر بلوشستان. ودور نيودلهي في بلوشستان موثق جيداً.
ففي عام 2016، اعتقلت القوات الباكستانية الضابط البحري الهندي كلبهوشان جاذاف، الذي اعترف بتنفيذ عمليات تخريب والتواصل مع المتمردين البلوش. وقدمت باكستان أدلة على ذلك إلى مجلس الأمن الدولي، مما عزز مزاعمها الطويلة الأمد بأن وكالة الاستخبارات الهندية (RAW) تنسق أنشطة تخريبية في الإقليم.
يقول محسود:
"احتمال وجود اتصالات بين إسرائيل والمسلحين البلوش في تزايد، خاصة بالنظر إلى التفاعل الوثيق بين الهند وإسرائيل. وتشير تقارير إلى وجود عناصر من الجيش الإسرائيلي وضباط الموساد في الهند حينما شهدت مواجهة عسكرية استمرت 100 ساعة مع باكستان."
إعادة ضبط الأمن الإيراني – الباكستاني
حتى وقت قريب، كانت طهران وإسلام آباد تتبادلان الاتهامات بإيواء مسلحين معادين للدولة. وقد عكست الغارات الجوية المتبادلة في أوائل عام 2024 مدى عمق الإحباط بين الجانبين. لكن في العام الماضي، وخاصة في الأشهر الأخيرة، تغيرت المعادلة الإقليمية.
فقد وضعت إيران وباكستان بروتوكولات لتبادل المعلومات الاستخباراتية وآليات لمكافحة الإرهاب لإدارة حدودهما المشتركة الممتدة على 900 كيلومتر، حيث توفر التضاريس الوعرة ملاذاً للمتمردين والمهربين والمتاجرين.
والخطر حقيقي. ففي الشهر الماضي وحده، قُتل سبعة ضباط برتب عالية من الجيش الباكستاني في هجمات مسلحة، آخرها في 5 آب/أغسطس، دون احتساب الجنود ذوي الرتب الأدنى الذين غالباً ما لا يُعلن عن مقتلهم.
لقد أضافت الحملة الهندية – الإسرائيلية لتسليح النزعة الانفصالية البلوشية طبقة خطيرة جديدة إلى صراعات المنطقة. ويبقى مدى قدرة إيران وباكستان على صد هذا المسعى عاملاً قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة من التمرد البلوشي.

حقوق الطبع والنشر © Video IQ