انفجار مرفأ بيروت: عدالة مؤجّلة واستثمار سياسي

خمسة أعوام مرّت على الانفجار الكارثي الذي دمّر مرفأ بيروت وأودى بحياة أكثر من مئتي شخص فيما لا يزال التحقيق القضائي عالقاً في دهاليز السياسة والضغوط الداخلية والخارجية. القضية التي كان يُفترض أن تكون مدخلاً لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين، تحوّلت اليوم إلى واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للانقسام في لبنان.

كاتب 7 28/08/2025 - 10:09 AM 43 مشاهدة
# #

 

التحقيقات توقفت مراراً نتيجة الدعاوى المتبادلة ضد المحققين العدليين ما أدى إلى تجميد عمل القضاء وتعطيل المسار القانوني. هذا الشلل القضائي عزّز الانقسام داخل الجسم القضائي نفسه وعمّق أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة التي بات يُنظر إليها كعاجزة أو متواطئة.
ورقة انتخابية مؤجلة
كان من المفترض أن يشكّل التحقيق في انفجار 4 آب/أغسطس 2020، الذي أودى بحياة أكثر من 220 شخصاً وأصاب الآلاف بجروح ودمّر قلب العاصمة اللبنانية خطوة نحو العدالة في بلدٍ مثقل بإرث طويل من الإفلات من العقاب.
لكن بدلاً من أن يكون مساراً للحقيقة تحوّل إلى أداة للمساومات السياسية والتخريب القضائي والتلاعب الخارجي ليصبح رمزاً إضافياً لانهيار مؤسسات الدولة اللبنانية.
خلال السنوات الخمس الماضية لم يُحاسَب أي شخص على هذه الكارثة. فالمسار القضائي الذي كان من المفترض أن يسلك طريق الحياد والسرعة في كشف الحقيقة عالق في متاهات التعطيل القانوني والصراعات الفئوية والضغوط الخارجية. ما بدأ كتحقيق جنائي تحوّل إلى ساحة معركة تتواجه فيها المؤسسات اللبنانية الممزقة، وعلى رأسها القضاء كأدوات في حرب سياسية أوسع.
الأولوية للأجندات السياسية لا للعدالة
هذا الشهر عاد ملف المرفأ إلى دائرة الجمود. إذ تنظر "الغرفة الاتهامية" في بيروت في دعوى ضد المحقق العدلي القاضي طارق بيطار تتهمه بـ"اغتصاب السلطة" في خطوة قد تسمح باستمرار التحقيق ولو ببطء أو بانهياره الكامل تحت وطأة التخريب السياسي.
الغرفة التي شُكّلت في نيسان/أبريل برئاسة القاضي إلياس عيد وعضوية القاضيين ربيع حسامي وبيار فرنسيس أوكل إليها البت في شكوى تقدم بها المدعي العام السابق غسان عويدات اتهم فيها بيطار بـ"انتحال صفة محقق عدلي" ما صعّد الخلاف المستعر منذ أكثر من عامين إثر مضيّ بيطار في استجواب مسؤولين سياسيين وأمنيين كبار.
 أن الغرفة ليست على قلب واحد. فبينما يميل بعض القضاة إلى دعم طعن عويدات يشكك آخرون في قانونية ادعائه. غياب الإجماع هذا يعكس هشاشة المسار القضائي خصوصاً في ظل الضغط الشعبي والسياسي المتصاعد.
السيناريوهات المحتملة أمام الغرفة اثنان:
إذا قُبل استئناف عويدات تُحال القضية إلى القاضي حبيب رزق الله المخوّل إمّا تجميد الشكوى أو استدعاء بيطار للتحقيق وربما إصدار قرار ظني بحقه.
أما إذا رُفض الاستئناف فستعود القضية إلى المدعي العام الحالي القاضي جمال حجار الذي يمكنه تعديل مضمون الشكوى. ويرى خبراء قانونيون أنه في حال وجود نية لحماية التحقيق من مزيد من العرقلة قد يعمد حجار إلى حفظ الملف نهائياً.
وتكشف مصادر  أنه لا يُتوقع صدور أي قرار ظني قبل عام 2026 أي قبيل الانتخابات النيابية المقبلة مباشرة. ما يعني أن الملف بدل أن يكون خطوة نحو العدالة سيتحوّل إلى ورقة انتخابية وسط تكهنات متزايدة بأن الاتهام سيركّز على حزب الله باعتباره مرتبطاً بشحنة نترات الأمونيوم.
أما أي إشارة إلى احتمال تورط "إسرائيل" فقد جرى تفاديها بعناية لحمايتها من الملاحقة الدولية وهو أمر يتقاطع مع أولويات الدول الغربية الداعمة لهذا المسار القضائي المثير للجدل.
انتقام شلل وصمت خارجي
رغم هذا الطوفان من العراقيل واصل بيطار تمسّكه بالتحقيق. فقد استجوب خلال الأشهر الماضية عشرات الشخصيات السياسية والعسكرية والقضائية. غير أن المقاومة التي واجهها كانت غير مسبوقة: إذ رُفعت 43 دعوى لعزله أو تنحيته.
وفي كانون الثاني/يناير 2023 تحدّى بيطار هذه المحاولات مؤكداً أن المحقق العدلي لا يمكن عزله بقرار قضائي وأصدر اتهامات جديدة طالت مسؤولين قضائيين كبار بينهم عويدات نفسه.
لكن الرد جاء سريعاً وبشكل انتقامي. فقد تقدّم عويدات بشكوى جنائية ضد بيطار وأصدر قراراً بمنعه من السفر وأمر بالإفراج عن 17 موقوفاً كان بيطار يرفض إطلاق سراحهم. وهكذا، عاد التحقيق إلى دوامة الشلل.
وزاد الطين بلة فشل مساعي التعاون الدولي. إذ إن طلبات المساعدة القضائية التي أرسلها بيطار إلى ست دول عربية وأوروبية لم تلقَ أي استجابة رغم تدخل وزير العدل هنري خوري مباشرة مع دبلوماسيين أجانب. هذا الصمت يعكس أن السيادة القضائية للبنان تنتهي حيث تبدأ مصالح القوى الخارجية.
قضاء مأزوم وثقة شعبية منهارة
قرار الإفراج عن 17 موقوفاً صدم الرأي العام اللبناني. بالنسبة لعائلات الضحايا كان ذلك مؤشراً إلى أمرين لا ثالث لهما: إما أن هؤلاء كانوا محتجزين ظلماً لسنوات أو أنهم أطلق سراحهم تحت ضغط سياسي. وفي الحالتين، الثقة بالقضاء تراجعت أكثر فأكثر.
الانقسام يطال الجسم القضائي ذاته. فبعض القضاة يرون في بيطار رمزاً نادراً للاستقلالية فيما يتهمه آخرون بتجاوز الصلاحيات. أما فريق ثالث فيلتزم الصمت خشية الانجرار إلى المستنقع السياسي. النتيجة الواضحة هي أن القضاء لم يعد مؤسسة محايدة بل صار ساحةً وصريعاً في آن واحد داخل النظام السياسي الطائفي.
أما القوى الدولية فبعيدة كل البعد عن لعب دور المراقب المحايد. فقد تحوّل ملف المرفأ إلى أداة ضغط تستخدمها حكومات أجنبية للتأثير على الدولة اللبنانية ومحاصرة حزب الله وتوجيه المسار السياسي في البلاد. وبينما تتعدد النظريات الموثوقة حول أسباب الانفجار بما في ذلك احتمال ضربة جوية إسرائيلية فإن الرواية المدعومة غربياً ركّزت حصراً على حزب الله انسجاماً مع أجندات إقليمية ودولية أوسع.
عدالة مؤجّلة ومستقبل غامض
السؤال لم يعد إن كان ستُحقَّق العدالة بل إن كان الملف سيُستغل للتلاعب بالرأي العام عشية الانتخابات وإن كان ألم الضحايا سيُستثمر لأهداف سياسية وإن كان نظامٌ منكسر قادر أصلاً على إرساء المحاسبة.
كان يفترض بانفجار مرفأ بيروت أن يكون لحظة وعي وطني. لكنه تحوّل إلى ورقة مقايضة في صفقات الغرف المغلقة وذريعة للتجاذبات الطائفية وأداة للتدخلات الخارجية. آثار ذلك الانفجار ما زالت شاخصة ليس فقط في أنقاض المرفأ بل في انهيار المؤسسات المكلّفة بالتحقيق فيه.
ومع اقتراب عام 2026 يعود الحديث عن قرب صدور القرار الظني  لا باسم العدالة بل خدمةً للمناورات الانتخابية. وإذا صدر فسيأتي على الأرجح وفق نصّ معدّ مسبقاً هدفه تشكيل المشهد السياسي لا كشف الحقيقة حول ما جرى في المرفأ.
السؤال الأعمق: هل يمكن لدولة تعجز – أو ترفض – كشف المتورطين في واحد من أضخم الانفجارات غير النووية في التاريخ أن تدّعي القدرة على إعادة البناء؟ المرفأ قد يكون أكثر من مجرد مسرح جريمة إنه مقبرة جماعية للجمهورية اللبنانية نفسها المدفونة تحت ركام مؤسساتها المنهارة.

حقوق الطبع والنشر © Video IQ