خلف الأبواب المغلقة في "المكتب
البيضاوي"، لم تكن الكلمات هي وحدها من رسمت ملامح السياسة الأمريكية القادمة
تجاه بغداد، بل كانت "عملة ورقية" قديمة تحمل وجه رئيس النظام المقبور
صدام حسين، موضوعة بعناية أمام الرئيس دونالد ترامب ومبعوثه الخاص مارك سافايا،
كفيلة بإرسال موجات من الصدمة داخل المنطقة الخضراء.
دلالة التوقيت
يرى مراقبون في حديثهم لـ وكالة فيديو
الإخبارية، أن ظهور هذه العملة في هذا التوقيت المشحون بالصراع في سوريا وإيران
ليس محض صدفة بروتوكولية.
فبينما كان سافايا يتحدث عن ملاحقة
"الكيانات الخبيثة" حسب وصفه بالعقوبات، كانت صورة "دينار الحصار" تذكر
العراقيين بمرحلة العزلة الدولية، وهي رسالة "ترهيب ناعم" مفادها:
"الماضي قد يعيد نفسه اقتصادياً".
وفي تحليل معمق كشف خبير مختص في
الشؤون الاستراتيجية، عن أبعاد خطيرة وراء هذا المشهد.
واكد الخبير لوكالة فيديو الإخبارية أن
استخدام ترامب وسافايا لمصطلح "العراق العظيم" هو استعادة حرفية لأدبيات
حزب البعث، و"مناغمة صريحة" للمعارضين والهاربين في دول الجوار،
لإشعارهم بأن واشنطن قد تفتح لهم الأبواب مجدداً.
وأشار إلى أن ترامب يعتقد علانية أن
تسريح أعضاء حزب البعث (المنحل) كان خطأً استراتيجياً ارتكبته الإدارات السابقة،
وهو ما يفسر وضع العملة كإشارة لـ "البديل المحتمل" في حال استمر تمرد
القوى الحالية على المصالح الأمريكية.
ويرى الخبير أن الملف يُستخدم حالياً
كأداة ضغط قصوى على السياسيين في بغداد، لزعزعة أمنهم الداخلي وإبقائهم في
"دوامة الخوف" من عودة النظام السابق أو اندلاع فتنة داخلية.
رسائل "سافايا".. هل انتهى
زمن "الاحتواء"؟
المصادر المقربة من دوائر صنع القرار
التي تحدثت لـ وكالة فيديو الإخبارية، تشير إلى أن مارك سافايا لا يتحرك من فراغ؛
فظهور العملة يعكس رؤية "ترامبية" براغماتية ترى في العراق ساحة
استثمارية ومحطة لمواجهة الجمهورية الإسلامية، والرسالة هنا هي: "إما
الانخراط الكامل مع الشركات والاستثمارات الأمريكية، أو مواجهة شبح الماضي وتغيير
النظام".
على منصات التواصل الاجتماعي، قرأ
العراقيون المشهد بمرارة؛ حيث ربطت آلاف التعليقات بين "دينار المقبور
صدام" وسنوات الجوع والفقر.
المشهد لم يكن موجهاً للحكومة فحسب، بل
كان "حرباً نفسية" تستهدف الذاكرة الجمعية للشعب العراقي، للإيحاء بأن
مصير البلاد ما زال يُدار بعقلية "الصفقات والرموز" في واشنطن.
إن ورقة النقد القديمة أمام ترامب هي
"إعلان نوايا" لمرحلة قادمة قد تشهد تصعيداً غير مسبوق. هي تلويح بورقة
"البعث البائد" لإثارة ذعر النخبة الحاكمة، وتذكير بأن واشنطن تملك
"خيار الشارع" و"خيار الماضي" في آن واحد.
ويرى مختصون في تتبع مسار العلاقة
التاريخية بين واشنطن وبغداد، مشهداً يطغى عليه التناقض وازدواجية المعايير، حيث تتحمل
الولايات المتحدة المسؤولية المباشرة عن سلسلة الأزمات التي عصفت بالعراق؛ بدءاً
من دعمها لنظام البعث البائد وتوظيفه خلال الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بفرض
الحصار الجائر، وصولاً إلى إسقاط النظام بعد استنفاد دوره ، وانتهاءً ببروز تهديد "داعش"
والتلويح به كورقة ضغط، مما يعكس استراتيجية قائمة على المصالح المتقلبة وغدر
النوايا تجاه استقرار البلاد.
السؤال الذي يطرحه الشارع العراقي
اليوم عبر وكالة فيديو الإخبارية: هل ستنجح القوى السياسية في نزع فتيل هذه
الإشارات عبر تفاهمات حقيقية، أم أن "أشباح دافوس وواشنطن" ستعيد العراق
إلى المربع الأول؟