مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد على الموائد العراقية طقوس راسخة يتصدرها طبق “التشريب”، بوصفه الوجبة الأساسية الأكثر حضوراً على مائدة الإفطار في مختلف محافظات البلاد، من الشمال إلى الجنوب.
ويُحضّر التشريب من خبز يُقطّع ويُغمر بمرق اللحم أو الدجاج، وغالباً ما يُضاف إليه الحمص أو البطاطا أو الباذنجان، ليشكّل وجبة دسمة تعوّض الصائم عن ساعات الامتناع الطويلة عن الطعام. ورغم بساطة مكوناته، إلا أنه يحمل بعداً تراثياً واجتماعياً عميقاً يعكس هوية المطبخ العراقي.
ويقول المواطن أبو علي (52 عاماً) إن “رمضان لا يكتمل من دون تشريب على السفرة، فهو طبق يجمع العائلة حول صحن واحد ويمنح شعوراً بالدفء بعد يوم من الصيام”، مشيراً إلى أن العادات المتوارثة ما زالت تحافظ على مكانة هذا الطبق رغم تنوع الأطعمة الحديثة.
من جانبها، ترى أم محمد، وهي ربة منزل من بغداد، أن التشريب “يوفر وجبة متكاملة وسريعة التحضير، خصوصاً في الأيام الأولى من الشهر”، مؤكدة أن أبناءها يفضّلونه على كثير من الأطباق الأخرى لأنه “مرتبط بذكريات الطفولة وأجواء رمضان القديمة”.
خبراء في التراث الشعبي يؤكدون أن التشريب يُعدّ من أقدم الأطباق في العراق، وكان حاضراً في المناسبات الدينية والاجتماعية قبل أن يصبح ركناً أساسياً في الإفطار الرمضاني. ويشيرون إلى أن طريقة تقديمه في صحن كبير مشترك تعزز روح الجماعة والتكافل التي يتميز بها الشهر الفضيل.
أما من الناحية الغذائية، فيوضح مختصون أن التشريب يمدّ الجسم بالبروتينات والكربوهيدرات والسوائل الضرورية بعد الصيام، خصوصاً إذا أُعدّ بطريقة متوازنة تقلل من الدهون وتراعي الاحتياجات الصحية.
ورغم التطور الذي شهدته الموائد العراقية بدخول أطباق عالمية وأصناف متنوعة، يبقى التشريب محتفظاً بمكانته الرمزية، بوصفه عنواناً للأصالة والبساطة، وتجسيداً لذاكرة رمضانية متوارثة تعكس روح العائلة والمجتمع في العراق.