Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

الولايات المتحدة وسياسة البطش.. لماذا تفشل القوة بعد كل تدخل عسكري لها ؟

#
کاتب ١    -      37 مشاهدة
2/09/2026 | 09:15 PM

أمريكا وسياسة البطش
ومن هنا أجد أن الولايات المتحدة الأمريكية بعنجهيتها غلاب فيها طابع الدحر والتدمير، غائبة عن حكوماتها المتتابعة المنهجية السياسية طويلة الأمد؛ سرى في وصفها التصرف كعملاق متوحش لا يبصر أمامه، فتراه يبعثر الأوراق، ويدعس من حوله، دون أن ينظر في عواقب مسألة، ودون أن يحسب تبعات خطوة يخطوها، فلا يلقي بالا لأثر قرار على من حوله.
وأرجع ذلك إلى وصول من لا يعقل في السياسة والجغرافيا شيئا؛ ولنا في مقابلة الإعلامي تاكر كارلسون لما استضاف السناتور تيد كروز في 18 يونيو/حزيران 2025 مثال، حين سأله عن تعداد سكان إيران فوجده لا يعرف. ورجل لا يعرف عدد من يريد إسقاطهم، تفلت لسانه في المقابلة ذاتها فقال: «نحن نحضر لضربات عسكرية اليوم». هكذا يدار العالم من فوق كرسي وثير، بلا خريطة ولا عداد سكان.

وتخيل أن هذا هو عين ما جرى في العراق، حين زعم بوش الابن أنه قادم لينقذ الشعب العراقي من سطوة صدام حسين وحزب البعث، ولينشر الديمقراطية والحرية والعدالة؛ ثم وجدنا أن الاحتلال الأمريكي للعراق أثمر دمارا تاما في البنية التحتية، وحربا أهلية تسعرت بين السنة والشيعة، وفسادا في الحكومات المتعاقبة، وسرقة لخزائن الدولة، وتحولا للعراق من بلد مكتف ذاتيا إلى بلد يجلس على خامس أكبر احتياطيات النفط في العالم، ثم لا يقدر أن ينير بيوته إلا بغاز يستورده من جارته إيران، نحو 50 مليون متر مكعب يوميا تسد قرابة ثلث حاجته من الكهرباء.
أضف إلى ذلك تحول البلد إلى مرتع للميليشيات العابرة للحدود، وانتشار تجارة السلاح والمخدرات، ثم ظهور "داعش" في أتون ذلك الخراب، وامتداد أثره إلى كل أصقاع العالم؛ فقط لأن بوش أراد نزع صدام!
ليست أفغانستان ببعيدة عن هذا الدرس عينه؛ فقد أنفقت واشنطن فيها قرابة 20 عاما وتريليونات الدولارات لتقتلع "طالبان"، ثم خرجت في آخر المطاف يوم 15 أغسطس/آب 2021 لتسلم كابل إلى "طالبان" نفسها، في مشهد مهين من الطائرات المحلقة والناس المتعلقين بها. ولو كان بوش قد اكتفى -في أهون الأحوال- بأن يدبر انقلابا عسكريا يقوده بعض رجالات حزب البعث، كما دأبت بريطانيا أن تفعل، لكان أبقى لنفوذه، وأرفق بالإقليم، وأقل كلفة في الدم والمال.
سياسة بريطانيا العظمى
فانظر كيف صنعت بريطانيا حين رأت شعبية رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، بعد أن مرر قرار تأميم النفط بتفويض من البرلمان، وأمم شركة النفط الأنجلو-إيرانية "التي صارت اليوم جزءا من شركة النفط البريطانية"؛ فلم تنزل جيوشها ولم تعلن حربا، بل حاكت بالاشتراك مع الأمريكان انقلابا هادئا سمته المخابرات البريطانية "عملية التمهيد" (Operation Boot)، وسمته الأمريكية "مشروع أجاكس" (Operation Ajax)، أطاح بمصدق عام 1953 وأجلس الجنرال فضل الله زاهدي مكانه، وأعاد محمد رضا بهلوي ليمسك زمام الأمور بنفسه. سيان الأمر قبل ذلك بعقد، حين قوضت حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941، وأعادت الوصي ونوري السعيد إلى سدة الحكم.
وحتى حين تريد أن تكسب حليفا، تتلمس قربه بأبهى عبارات التبجيل، كما فعل المفوض السامي في مصر هنري مكماهون يوم كاتب الشريف حسين بن علي يستنهضه على العثمانيين؛ فقد ختم رسالته في 30 أغسطس/آب 1915 بقوله إن «جلالة ملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة».
ولرأيت الفرق الكبير بين مخادعة ناعمة ودبابة، فما هي إلا سنوات حتى انكشف الوجه الآخر؛ ففي رسالة خاصة إلى اللورد هاردنغ في 4 ديسمبر/كانون الأول 1915 أقر مكماهون بأنه لا يأخذ فكرة قيام دولة عربية مستقلة قوية على محمل الجد، ثم جاءت اتفاقية سايكس-بيكو (Sykes–Picot) عام 1916 لتقتسم البلاد قبل تحريرهم حتى. فبراعتهم في الاحتواء لم تكن فضيلة أخلاقية، بقدر ما كانت افتراسا أشد إحكاما؛ قتل بحبل من حرير لا بحد السيف.
هذه الحالة من التوازنات الإقليمية برع فيها الإنجليز أيما براعة، حتى صارت مذهبا في نظامهم؛ فاحتووا فرنسا بعيد إنزال نابليون عن عرشه في مؤتمر فيينا (عام 1815)، وأقاموا توازنا في القارة بدل أن يسحقوا المهزوم فيولد ثأرا جديدا، وأسندوا الدولة العثمانية في حرب القرم (1853–1856) ليكبحوا تمدد روسيا القيصرية، ثم أبرموا التحالف الأنجلو-ياباني عام 1902 ومدوا اليابان بالسلاح والسفن في حربها مع روسيا (1904–1905) ليضبطوا الميزان في أقصى الشرق.

بل تأمل كيف تعاملوا مع الدولة العثمانية نفسها؛ فقد كان في وسعهم أن يعجلوا بسقوطها زمنا طويلا، لكنهم آثروا -عقودا- أن يبقوها قائمة واهنة يسمونها "الرجل المريض"، حاجزا بينهم وبين تمدد القيصر نحو المياه الدافئة والمضائق؛ فلما استنفدت حاجتهم منها، آذنوا بتقسيمها هي الأخرى. وأزعم أن دولة غيرها ممن أدمن سلاح القوة على المفاوضة، لو أوكل إليها ما أوكل إلى لندن، لرأيت حربا عالمية كل سنتين

المغلوب مولع أبدا بالغالب
وقد علمنا أن الفرنسيين والأمريكيين لا يكتفون باحتلال بلد وسلب خيراته، بل يتوقون لفرض أجندتهم وأيديولوجيتهم على من يحتلونهم بقوة الغلبة، يستعينون على ذلك بقاعدة تأثر المغلوب بالغالب، كما عنون لها ابن خلدون في مقدمته: «في أن المغلوب مولع أبدا بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر عوائده».
ثم إن تحكم السياسيين الشعبويين في ميدان الحكم في الدولتين يغلب عليه شعورهم بالتفوق الفطري، وباعتقادهم أنهم بلغوا كمالا حضاريا، فهم بذلك مرسلون من قبل الرب -حتى لو علا فيهم جانب الإلحاد والتعلمن- لإخراج العباد من ظلمة جهلهم إلى نور حضارتهم. ولنا في فرنسا الاستعمارية خير شاهد؛ فلم تكتف باحتلال الجزائر 130 عاما، بل جعلتها "قطعة من فرنسا"، وهذا أبعد الأمور عن الإنجليز، الذين تراهم منشغلين في تفريق الشعوب، ووضع الحزازات والحدود بهدوء واستكانة أرق من صوت ارتطام الريشة بالأرض.
ترامب واعتناق ما ينتقده
وننزل هذا كله على الحالة الإيرانية وطريقة التعامل الأمريكي معها؛ فلك أن تبصر ترامب كيف دافع في حملته عن ضرورة السلام والمفاوضة وترك الحروب، وانتقد بوش الابن وأوباما لذلك؛ ثم تجده -بعد هذا كله- يكذب مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي جابارد، التي شهدت أمام الكونغرس في مارس/آذار 2025 بأن تقييمات الأجهزة الأمريكية لا تزال تشير إلى أن طهران لا تعمل على تطوير رأس نووي، فقال: «إنها مخطئة»، بينما نقلت رويترز عن مصدر مطلع أن التقييم لم يتغير، وأن إيران تحتاج إلى ما يبلغ ثلاث سنوات لإنتاج رأس حربي قابل للإطلاق. تخيل أن رئيس أكبر دولة في العالم لا يأخذ حتى بتقييم استخباراته؛ فممن يأخذ إذن؟
ثم هو بعد ذلك كله يطلب جائزة نوبل للسلام، ويتذمر في بيان طويل من أنه لن ينالها مهما فعل، فيعدد حروبا يزعم أنه أطفأها: «لن أحصل على جائزة نوبل للسلام لوقف الحرب بين الهند وباكستان، ولن أحصل عليها لوقف الحرب بين صربيا وكوسوفو، ولن أحصل عليها للحفاظ على السلام بين مصر وإثيوبيا. لا، لن أحصل عليها مهما فعلت، لكن الناس يعرفون، وهذا كل ما يهمني».
هذه الشعبوية في الخطاب، التي سرت في مفاصل الدولة الأمريكية الجديدة، لا سيما في الحزب الجمهوري الذي يتبنى الخطاب المتعالي، الداعي إلى تقوقع أمريكا على نفسها وحماية إسرائيل في آن واحد، ومد السبل لها في هيمنتها على المنطقة، وتحدي دول العالم في فرض رؤاها ولو كانت جالبة للشرور؛ سياسة كهذه سيكون من المستغرب ألا تنتهي فترة ترامب بحرب عالمية طاحنة.
فأيهما أبقى للملك: يد تحرك خيوط خصمها من وراء ستار، أم قبضة تهوي على رأسه فتوقظ في صدره ثأرا لا ينام؟ ومن من هؤلاء الأباطرة القدامى كان يبدد قوته في حرب يعرف أولها ولا يعرف أين ينتهي آخرها؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لوكالة فيديو الاخبارية