بغداد – لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العراقي مجرد احتمال مستقبلي، إذ بدأت أدواته تدخل تدريجيًا في عدد من المهام المكتبية والإدارية والإعلامية، وسط توقعات بأن تتسع دائرة التأثير خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في الوظائف التي تعتمد على الأعمال الروتينية والمتكررة.
وبينما لا يتوقع مختصون اختفاء مهن كاملة في المدى القريب، فإنهم يرجحون أن تتغير طبيعة العديد من الوظائف، وأن تصبح القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من متطلبات التوظيف، الأمر الذي قد يفرض تحديات أكبر أمام الخريجين الباحثين عن أول فرصة عمل.
فرصة العمل الأولى تتغير
بالنسبة إلى فرح، خريجة كلية الإعلام في بغداد، لم تكن الشهادة الجامعية كافية لفتح باب سوق العمل كما كانت تتوقع.
فبعد التخرج، أرسلت سيرتها الذاتية إلى مؤسسات إعلامية وشركات ومكاتب بحثًا عن فرصة في التحرير أو إعداد المحتوى أو الأعمال الإدارية، لكنها وجدت أن المنافسة على الوظائف المبتدئة أصبحت أكثر صعوبة.
وتقول فرح لوكالة شفق نيوز: "كنت أبحث عن فرصة أبدأ منها، حتى لو براتب بسيط، المهم أن أتعلم وأكسب خبرة. لكن بدأت ألاحظ أن بعض الأعمال التي كنت أتقدم إليها يمكن إنجاز جزء كبير منها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي".
وتوضح أن مهامًا كانت تمثل سابقًا جزءًا من عمل الموظف المبتدئ، مثل إعداد المسودات وتلخيص المعلومات وإعادة صياغة النصوص وترتيب البيانات، يمكن إنجازها الآن خلال وقت أقصر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتضيف: "أشعر أن الخريج اليوم لا يكفي أن يمتلك الشهادة وبعض المهارات الأساسية، بل عليه أن يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي ويطور مهاراته الرقمية حتى يستطيع المنافسة".
الروتين أول المتأثرين
ويعتقد المختص في التقنيات علي كريم أن التحول بدأ بالفعل، لكنه لا يزال محدودًا مقارنة بما تشهده الأسواق الأكثر تقدمًا.
ويقول كريم لوكالة شفق نيوز إن الوظائف التي تعتمد على إجراءات متكررة ستكون الأكثر عرضة للتغيير، ومن بينها إدخال البيانات والأعمال الإدارية والأرشفة والمراسلات وبعض المهام المحاسبية، إضافة إلى أجزاء من العمل الإعلامي وخدمة الزبائن.
ويشير إلى أن المؤسسات قد تجد في الذكاء الاصطناعي وسيلة لتقليل الوقت والكلفة، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص الحاجة إلى بعض المهام، لكنه في المقابل سيخلق حاجة إلى مهارات جديدة مرتبطة بالبيانات والأنظمة والأتمتة والتقنيات الحديثة.
ويرى كريم أن مستقبل الموظف لن يتحدد فقط بتخصصه، بل بقدرته على دمج هذا التخصص مع التكنولوجيا، معتبرًا أن من يجيد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر قدرة على التكيف مع سوق العمل الجديد.
الوظيفة التي لم تُلغَ بعد
أما الباحث الاقتصادي أحمد نزار ، فيرى أن التأثير الأكبر قد لا يظهر في صورة تسريح جماعي للعاملين، وإنما في تراجع الوظائف الجديدة التي كانت تشكل مدخلًا تقليديًا إلى سوق العمل.
اما كاظم علي فيقول لوكالة فيديو الاخبارية إن المؤسسة التي كانت تحتاج إلى عدة موظفين لإنجاز مهام مكتبية متكررة قد تتمكن مستقبلًا من تنفيذ جزء من العمل بعدد أقل من الموظفين، بفضل الأتمتة وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وهذا يعني، بحسبه، أن الخريج الجديد قد يواجه منافسة أكبر للحصول على الوظيفة الأولى، خصوصًا في سوق يعاني أصلًا من صعوبة استيعاب أعداد كبيرة من الداخلين الجدد.
لكن عيد يرى في المقابل أن التكنولوجيا ستفتح مجالات جديدة أمام الأشخاص القادرين على الجمع بين تخصصاتهم والمهارات الرقمية، مؤكدًا أن التدريب المستمر سيكون عاملًا حاسمًا في الحفاظ على القدرة التنافسية.
"المتخصص الهجين" في مواجهة التغيير
ويعتقد أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن الخوف من الذكاء الاصطناعي يجب ألا يقود إلى التخلي عن تخصصات مثل الإدارة والمحاسبة والإعلام، بل إلى تغيير طريقة دراسة هذه التخصصات وممارسة المهن المرتبطة بها.
ويقول السعدي لوكالة شفق نيوز إن الوظائف المكتبية الروتينية ستكون من أكثر المجالات تأثرًا، لكن ذلك لا يعني اختفاء المهن نفسها، وإنما إعادة تعريف المهام التي يؤديها العاملون فيها.
ويضرب مثالًا بالمحاسب الذي لا يكتفي بالمعرفة المالية، وإنما يمتلك أيضًا مهارات تحليل البيانات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أو الإعلامي الذي يستفيد من هذه الأدوات في جمع المعلومات وإعداد المسودات، مع الحفاظ على مهارات التحقيق والتحليل والتفكير النقدي.
ويصف هذا النموذج بـ**"المتخصص الهجين"**، الذي يجمع بين المعرفة التقليدية والمهارات التقنية.
ويرى السعدي أن الجامعات العراقية مطالبة بمواكبة هذا التحول من خلال دمج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي في المناهج، بدل ترك الخريج يواجه سوق العمل بعد التخرج من دون الأدوات اللازمة للمنافسة.
العراق أمام تحول عالمي
ولا تأتي هذه المخاوف بمعزل عن التطورات العالمية، إذ تتجه دول ومؤسسات دولية إلى دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب والخريجين الجدد.
وفي الصين، أعلنت وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي في كانون الثاني/يناير 2026 التوجه إلى سياسات لمعالجة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف وتعزيز فرص التوظيف، مع التركيز على الخريجين والشباب الباحثين عن العمل.
كما قالت منظمة العمل الدولية في آب/أغسطس 2026 إن بطالة الشباب عالميًا بلغت 12.4% خلال 2025، أي نحو 67 مليون شاب، في حين بلغت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريبًا نحو 20%.
وتشير مؤشرات دولية أخرى إلى أن بعض الوظائف التي كانت تمثل نقطة الدخول المعتادة للشباب إلى سوق العمل بدأت تواجه تغيرات بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خصوصًا الوظائف المكتبية والإدارية وخدمات العملاء وبعض المهن التقنية.
وفي الولايات المتحدة، أظهر تحليل حديث أن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة عدد من الوظائف منذ ظهور ChatGPT أكثر مما أدى إلى إلغائها، من دون وجود دليل واضح حتى الآن على أنه تسبب في تغيرات واسعة في إجمالي معدلات التوظيف أو البطالة.
سباق المهارات يبدأ
وفي العراق، يبدو أن المعركة المقبلة في سوق العمل لن تكون بين الإنسان والآلة بالضرورة، بل بين من يمتلك مهارات قابلة للتكيف ومن يظل معتمدًا على المهام التي تستطيع الآلة تنفيذها.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى المؤسسات، قد تصبح الشهادة الجامعية بداية الطريق فقط، بينما تتحول القدرة على استخدام التكنولوجيا وتحليل المعلومات والتفكير النقدي والتعلم المستمر إلى شروط أساسية للحصول على الوظيفة والاستمرار فيها.
وبالنسبة إلى الخريجين الجدد، قد يكون التحدي الأكبر هو أن الوظيفة التي كانت تمنحهم الخبرة اللازمة لبناء مسيرتهم المهنية أصبحت نفسها عرضة للتحول، ما يجعل اكتساب المهارات الرقمية قبل دخول سوق العمل ضرورة أكثر من كونه ميزة إضافية.