على الرغم من الدعم العسكري والمالي الذي تلقته القوات الحكومية اليمنية من المملكة العربية السعودية، فإنها تكبدت هزيمة ميدانية خلال فترة وجيزة أمام هجوم شنته جماعة الحوثيين على ساحل البحر الأحمر. ويُعزى هذا التراجع، وفق هذا الطرح، إلى عاملين رئيسيين: مستوى الانضباط والتماسك العملياتي الذي أظهرته القوات الحوثية، في مقابل استمرار حالة الانقسام والتباين داخل معسكر القوات الحكومية، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرتها على تنسيق العمليات والمحافظة على تماسك خطوط الدفاع اذ تمكن الحوثيون من اختراق خطوط القوات الحكومية اليمنية وتوسيع سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر.
فبعد ميناء مدينة المخا، في جنوب غرب البلاد، استولى الحوثيون المدعومون من إيران على جزيرة ميون، الواقعة في قلب مضيق باب المندب. ويُعد هذا الممر البحري الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، أحد أهم طرق التجارة البحرية بين أوروبا وآسيا.
فيما يكشف هذا التقدم السريع، قبل كل شيء، عن انهيار القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
توماس جونو،أستاذ في المدرسة العليا للشؤون العامة والدولية في أوتاوا، وباحث غير مقيم في مركز صنعاء يقول "إن ما شهدناه خلال الأيام الأخيرة هو في الواقع نتيجة لهذا الوضع. فقد انهارت القوات الحكومية (أو على نحو أدق، بعض الفصائل التي تنتمي لهذا المعسكر) انهيارًا كاملًا عندما شن الحوثيون الهجوم".
وتُعد حالة قوات المقاومة الوطنية التابعة لطارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الذي قتله الحوثيون عام 2017 مثالا واضحًا على ذلك. فهو الذي يقود إحدى أبرز القوات المناهضة للحوثيين الموجودة على ساحل البحر الأحمر.
لكن في 10 سبتمبر/أيلول، وأمام تقدم الحوثيين الموالين لإيران، أمر قواته بالتخلي عن مواقعها في مدينة المخا التي يتواجد فيها ميناء استراتيجي يقع على بعد عشرات الكيلومترات من باب المندب. والأهم من ذلك، أنه كان يعتبر من بين إحدى القواعد الرئيسية للقوات الحكومية العاملة على طول الساحل.
وقد أثار هذا الانسحاب، الذي قُدِّم رسميًا على أنه إعادة تموضع استراتيجي، ردود فعل قوية داخل القوات المناهضة للحوثيين نفسها، حيث اتهمت وسائل إعلام يمنية ومقاتلون آخرون مدعومون من الرياض رجاله بـ "الخيانة" و"الجبن".
انقسامات داخلية وتنافس إقليمي
بالنسبة إلى توماس جونو، فإن تشرذم المعسكر المناهض للحوثيين هو أيضًا نتيجة لسنوات من التنافس بين القوى الإقليمية المنخرطة في النزاع.
وأوضح: "على الورق، تمتلك القوات الحكومية قوة عسكرية كبيرة، سواء من حيث عدد العناصر أو المعدات. لكن عمليًا، الخلافات التي ظهرت بين داعميها الرئيسيين، خاصة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، شددت من حدة الانقسامات الداخلية، ما أدى إلى إضعاف فعاليتها بشكل كبير.
وتابع: "لقد كرّس هذان البلدان أحيانًا قدرًا أكبر من الطاقة للدفاع عن مصالحهما الخاصة والتنافس فيما بينهما بقدر ما كرّسا لتعزيز القوات المناهضة للحوثيين فعليًا".
ومنذ بداية تدخل التحالف العربي في اليمن عام 2015، أصبحت المملكة العربية السعودية الداعم العسكري والسياسي الرئيسي للسلطة المركزية.
أما الإمارات العربية المتحدة، التي شاركت إلى جانب الرياض في التحالف، فقد طورت بدورها شبكات نفوذ خاصة بها، ودعمت خصوصًا المجلس الانتقالي الجنوبي السابق، المؤيد لاستقلال اليمن الجنوبي السابق. كما ساهمت أيضا الإمارات في تسهيل تشكيل قوات المقاومة الوطنية التابعة لطارق صالح.
وبعد سنوات من الوجود العسكري، سحبت الإمارات في نهاية المطاف قواتها من البلاد في يناير/كانون الثاني 2026، تحت ضغط المملكة العربية السعودية، عقب اشتباكات بين القوات المدعومة من كلتا القوتين في جنوب اليمن.
لكن بعض القوات المحلية بقيت هناك، لكنها لا تتبنى بالضرورة المشروع نفسه الذي تتبناه الحكومة الموجودة في عدن.
وقبل يوم واحد من الانسحاب من مدينة المخا، تعرض موكب وزير الدفاع اليمني للاستهداف من جانب مقاتلين جنوبيين خلال الزيارة التي قام بها إلى مدينة الضالع التي تعد المعقل التاريخي للحركة الانفصالية في جنوب اليمن، حيث لا تزال العلاقات مع السلطات الحكومية متوترة.
فشل الاستراتيجية العسكرية السعودية
ومن العلامات الأخرى على أن هذه الهزيمة كانت متوقعة، تلك التي تبين أن العديد من المسؤولين في المعسكر الحكومي كانوا قد طالبوا مؤخرًا بإرسال تعزيزات لمنع الحوثيين من مواصلة تقدمهم باتجاه جنوب البلاد.
ويذكر توماس جونو: قائلا: "لقد طلب طارق صالح وقادة آخرون، وكذلك قادة سياسيون في الحكومة، المساعدة. لكن هذه المساعدة لم تصل فعليًا".
وأردف: "في المقابل، أمضى الحوثيون، الذين تتبع سلسلة قيادتهم زعيمًا لا ينازعه أحد هو عبد الملك الحوثي سنوات في ترسيخ سلطتهم في شمال غرب البلاد".
ويضيف توماس جونو: "إنهم يستفيدون هناك من منطقة جبلية مواتية بشكل خاص للدفاع. لقد بنوا، بدعم من إيران، شبكة من المنشآت العسكرية المصممة لمقاومة الهجمات المعادية، مثل الأنفاق ومخابئ الأسلحة تحت الأرض
إن وجود منطقة محصنة، وشبكة لوجستية مجربة، وخبرة كبيرة في خوض الحرب، كلها عوامل تفسر لماذا لم يتمكن التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، حتى الآن، من تغيير ميزان القوى.
وقد شنت الرياض غارات جوية على الحوثيين لسنوات، ولا سيما بين عامي 2015 و2022. وهو العام الذي تم فيه التوصل إلى وقف لإطلاق النار، قبل أن ينهار هذا الاتفاق خلال الصيف، من دون أن تتمكن تلك الضربات من إبطاء تقدم الحوثيين نحو مضيق باب المندب، الأمر الذي يهدد الآن مصالح المملكة العربية السعودية بشكل مباشر.
وتواجه المملكة، التي استهدفها الحوثيون عدة مرات، العديد من الاضطرابات التي أصبحت تؤثر على الممر البحري الرئيسي الآخر في المنطقة، وهو مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي، والذي أغلقته إيران.
ولا تستطيع القوة الجوية السعودية، بمفردها، تعويض غياب قوة برية يمنية متماسكة ومنظمة وقادرة على السيطرة على الأرض بصورة مستدامة، بحسب توماس جونو.
غير أن الحوثيين، مع مغادرتهم تدريجيًا معقلهم في الشمال الغربي، دخلوا مناطق ساحلية أكثر صعوبة من حيث الدفاع عنها، كما يشير الباحث.
ويشرح: "إن التضاريس أقل ملاءمة، وخطوط إمداداتهم أصبحت أطول. كما أن المواقع التي تم الاستيلاء عليها أصبحت أكثر عرضة لضربات جوية محتملة من جانب المملكة العربية السعودية، وكذلك، على المدى الطويل، لهجمات مضادة من القوات الحكومية".
ومن الناحية النظرية، يمكن لهذا الضعف أن يمنح الفرصة للقوات الحكومية لشن هجوم مضاد. لكن يتعين عليها أولًا أن تكون قادرة على استغلال هذه الفرصة.
ويختم توماس جونو قائلا: "علينا أن ننتظر حتى يستقر الوضع بدرجة أكبر خلال الأيام المقبلة حتى تتضح الصورة. لكن القوات الحكومية أظهرت مستوى من الفوضى والانقسام والتشرذم، وفي كثير من الحالات من الفساد، إلى درجة أن قدرتها على شن هجوم مضاد جاد بات محدودة للغاية".