Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

الترجمة رحلة آلاف السنين أمام اختبار التكنولوجيا

#
کاتب ١    -      28 مشاهدة
29/09/2026 | 12:34 PM

يحتفل العالم في 30 أيلول من كل عام باليوم الدولي للترجمة، في مناسبة تسلط الضوء على دور المترجمين في نقل العلوم والمعارف والثقافات وتعزيز التواصل بين الشعوب، فيما تواجه المهنة اليوم تحولاً متسارعاً بفعل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 24 أيار 2017، 30 أيلول يوماً دولياً للترجمة بموجب القرار 71/288، تقديراً لدور الترجمة المهنية في تقريب الأمم وتعزيز الحوار والتفاهم والتعاون والتنمية والسلام. ويرتبط اختيار التاريخ بذكرى وفاة القديس جيروم، مترجم الكتاب المقدس وشفيع المترجمين، عام 420 للميلاد.
ويحتل العراق موقعاً بارزاً في تاريخ الترجمة، ولا سيما خلال العصر العباسي، عندما أصبحت بغداد مركزاً لحركة علمية واسعة نقلت مؤلفات من اليونانية والفارسية والسريانية والهندية إلى العربية، وأسهمت في انتقال معارف الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.
وبرز خلال تلك المرحلة عدد من أعلام الترجمة والعلوم، بينهم حنين بن إسحاق وابن المقفع وثابت بن قرة والكندي، فيما ارتبطت حركة الترجمة بمؤسسات ومراكز علمية أسهمت في جمع المخطوطات ونقل المعرفة.
ومنذ عصر المخطوطات، مرت الترجمة بتحولات متتابعة شملت ظهور المطبعة والمعاجم الحديثة والترجمة الفورية، وصولاً إلى الحاسوب وقواعد المصطلحات وذاكرات الترجمة، ثم الترجمة الآلية التي تطورت من الأنظمة القائمة على القواعد إلى الأساليب الإحصائية والشبكات العصبية.


ومع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت أنظمة الترجمة قادرة على إنتاج نصوص بلغات متعددة خلال ثوانٍ، والتعامل بدرجات متفاوتة مع السياق والأسلوب، فضلاً عن مساعدة المترجمين في البحث عن المصطلحات وتوحيدها ومراجعة النصوص والتعامل مع كميات كبيرة من المواد.
وفي المقابل، فرضت هذه التقنيات تحديات جديدة على سوق الترجمة، مع لجوء بعض العملاء إلى الترجمة الآلية التي تخضع لاحقاً للمراجعة البشرية، وهو ما يثير نقاشاً بشأن طبيعة العمل وأجوره ودور المترجم في ظل توسع استخدام الأدوات الرقمية.
وتبرز أهمية المراجعة البشرية بصورة خاصة في المجالات الطبية والقانونية والإعلامية، حيث يمكن أن يؤدي الخطأ في المصطلحات أو الأسماء أو السياق إلى تغيير المعنى أو التسبب في نتائج كبيرة.
كما تبقى الترجمة الأدبية من المجالات التي تتطلب حضوراً بشرياً واسعاً، نظراً لما تتضمنه من أسلوب وإيقاع وإيحاءات ثقافية وسخرية وتعبيرات محلية، فضلاً عن الحاجة إلى الحفاظ على الأثر الذي يتركه النص الأصلي لدى القارئ.
وفي العراق، تكتسب الترجمة أهمية إضافية في ظل التنوع اللغوي والثقافي، مع الحاجة إلى تطوير الموارد اللغوية والمدونات وقواعد البيانات للمكونات واللغات الأقل حضوراً في المحتوى الرقمي، بما يسهم في الحفاظ على التنوع الثقافي وتسهيل الوصول إلى المعلومات والخدمات.
ويرى مختصون أن التطور التكنولوجي قد يعيد تعريف مهنة الترجمة أكثر مما ينهيها، إذ يتجه دور المترجم نحو التخصص، والمراجعة النقدية، وإدارة المصطلحات، وفهم السياقات الثقافية، إلى جانب القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقييم مخرجاتها.
وبعد قرون طويلة من تطور الترجمة، تبدو المهنة اليوم أمام تحول جديد تفرضه قدرة الآلة على إنتاج النص، فيما يبقى الحفاظ على الدقة والسياق والمعنى والمسؤولية المهنية محوراً أساسياً في عملية الترجمة.