ارتكز الخطاب الإعلامي لنظام صدام إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وما بعدها على استراتيجية إعلامية موجهة ومكثفة, وهي اعتماد "شيطنة" النظام الإيراني وحشد الشارع العراقي والعربي ضده؛ إذ لم تكن الحرب التي اندلعت في ثمانينيات القرن الماضي مجرد مواجهة عسكرية عند حدود شط العرب، بل كانت صراعاً وجودياً بين دولة فتية نتيجة ثورة جماهيرية شعارها ضد دول الاستكبار.. وبين جيش صدام المدعوم دوليا وعربيا للقضاء على ثورة ايران, واعادت نظامها لموالاة واشنطن. فجرت أعتى معاركه على شاشات التلفاز وصفحات الصحف وأثير الإذاعات الرسمية.
ففي لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، استنفرت الآلة الإعلامية للدولة العراقية كل طاقتها التعبوية لبناء جدار سميك من التعبئة النفسية والعاطفية، مستندة إلى إرث تاريخي وقومي جرى استدعاؤه بعناية, لإعطاء الحرب بعداً الملحمة التاريخية التي تتجاوز حدود الخلاف السياسي المباشر.
وفي هذا السياق، سعت الدولة عبر أجهزتها الرسمية إلى صياغة رواية أحادية شاملة تعيد تعريف الخصم في الضفة الأخرى وتجرده من شرعيته السياسية والدينية، في محاولة لإحكام السيطرة على الذاكرة الجمعية, وتوجيه الرأي العام نحو هدف واحد لا ثاني له، وتنوعت الأساليب والتكتيكات الإعلامية المعتمدة لتحقيق هذه الغاية عبر أبعاد ومحاور عدة.
· الاستدعاء التاريخي والرمزي
تجلّى ذلك الاستدعاء التاريخي والرمزي بأوضح صورةٍ من خلال إسقاط معركة القادسية التاريخية, التي انتصر فيها العرب المسلمون على الإمبراطورية الساسانية, على واقع الحرب المعاصرة، لتأطير الصراع تحت مسمى "قادسية صدام" وتصويره كملحمةٍ قومية ممتدة عبر العصور، تتجاوز حدود النزاع السياسي الجغرافي العابر إلى معركة وجود تاريخية.
ووازى هذا التأطير شياعٌ مكثف لمصطلحات التخوين القومي في البيانات العسكرية والتلفزيونية الرسمية، حيث ترددت ألقابٌ تعبويةٌ صارمة مثل "الفارسية" و"المجوسية" و"الفرس المجوس" و"أعداء الأمة العربية"، في محاولةٍ حثيثة لفصل النظام الإيراني عن هويته الإسلامية وتجريده منها، ووضعه في خانة الخصم التاريخي الأزلية أمام الوعي الجمعي.
التعبئة القومية وتقديم العراق كـ "البوابة الشرقية"
ولم تقتصر تلك التعبئة على استدعاء الماضي، بل امتدت لتشمل صياغة عقيدة قومية جديدة تُصوّر العراق ونظامه كحارس الأمّة الأمين و"البوابة الشرقية للوطن العربي" في وجه ما وُصف بالخطر الإمبريالي التوسعي القادم من الشرق، وهو التأطير الذي مكن الحكومة العراقية حينها من حشد تأييدٍ قومي واسع وظهير مالي وسياسي متين من دول عربية وخليجية عدة.
بالتوازي مع هذا الحشد السياسي، جُيِّرت الفنون والموسيقى لتغدو سلاحاً تعبوياً مباشر؛ حيث غصّت إذاعة وتلفزيون بغداد بمئات الأغاني والأناشيد الحماسية التي أبدعها كبار الشعراء والفنانين العراقيين، لتدور مضامينها حول دحر العدو، والتمجيد المطلق للقوة العسكرية العراقية، والتحقير الممنهج للقيادة الإيرانية، مما أسهم في شحن العواطف وتأجيج الحماس الجماهيري طوال سنوات الصراع.
التركيز الشديد على شخصنة العداء (هجاء القيادة الإيرانية)
وبجانب التأطير التاريخي والحشد القومي، اتخذ الخطاب الإعلامي مساراً أكثر حدة واشتغالاً على شيطنة الفرد من خلال التركيز الشديد على شخصنة العداء وهجاء القيادة الإيرانية بشكل مباشر.
فقد صُوب العنف اللفظي والرمز الإعلامي نحو رأس الهرم السياسي والديني في إيران، المرشد روح الله الخميني، حيث وُصف في وسائل الإعلام الرسمية بأوصاف قاسية ومستفزة كـ "الدجال" و"الطاووس"، في محاولة لكسر هيبته الدينية وسلب هالة القدسية عنه أمام الشارع العربي والإسلامي.
ولم تقتصر هذه الهجمة على الخطابات الرسمية والجادة، بل سُخِّرت لها أدوات الفن الساخر والرسوم المتحركة، فأُنتجت برامج تلفزيونية ومسلسلات إذاعية وأعمال كارتونية ساخرة أظهرت القيادة الإيرانية في صورة شخصيات هزلية منفصلة تماماً عن الواقع، تُساق بجهل وتضليل لتضحية بشعبها في أتون معارك عبثية خدمةً لأوهام وتطلعات توسعية.
البيانات العسكرية اليومية وشحن الشارع
ولم تقتصر أدوات التعبئة على الخطاب السياسي أو الهجاء الرمزي، بل امتدت لتشكل إيقاع الحياة اليومية للمواطن من خلال البيانات العسكرية وشحن الشارع الممنهج؛ إذ كان التلفزيون والإذاعة يقطعان البث الاعتيادي فجأة، ليعلو صوت المذيعين الشهيرين (مثل مقداد مراد وغازي فيصل) بقراءة "بيانات القيادة العامة للقطعات المسلحة" بنبرة حماسية صارمة تُبث في النفوس الرهبة والترقب، مُعلنةً خسائر الخصم ومُضخمةً حجم انتصارات الجيش العراقي, لتكريس صورة التفوق الميداني حقيقةً لا تقبل الشك.
وتكتمل هذه المشهدية التعبوية بالحرص الإعلامي الدؤوب على بث مشاهد استعراض أسرى الحرب الإيرانيين, وعرض الآليات العسكرية المدمّرة والمغنومة، في استراتيجية بصرية هدفها الترويج المطلق للقدرة العسكرية العُظمى للبلاد، وكسر الروح المعنوية للجانب الآخر، وإبقاء الشارع العراقي في حالة استنفار وجداني دائم طوال سنوات الحرب.
هل استمر تاثير اعلام صدام على مستقبل المجتمع العراقي؟
تتواصل آثار ذلك المنهج الإعلامي والسياسي البعثي في مستقبل المجتمع العراقي, عبر ذاكرة جمعية مثقلة بمرارة الفقد ومحاصرة باستمرار النزاع الرمزي حول أدبيات الحرب. فقد خلّفت عقود الشحن والتخوين انقساماً مجتمعياً واستقطاباً سياسياً حاداً تجاه العلاقة مع المحيط الإقليمي، مما أضعف النسيج الوطني المشترك وعزز الانقسامات الطائفية والسياسية عقب عام 2003.
كما انتقلت تكتيكات "شيطنة الآخر" وتخوينه إلى الإعلام الحزبي المعاصر الذي يمارس التشويه ضد الجارة ايران, وغياب الخطاب الوطني الجامع، في حين ولّد حجم الدمار السابق حساسيةً مجتمعية وفوبيا عالية لدى اغلب العراقيين ضد المغامرات العسكرية، وأفرز هذا رغبة عارمة في تفضيل الاستقرار والتنمية الاقتصادية على حساب الخطابات التعبوية والحماسية.
ختاما:
إنّ خطورةَ هذا الإرث الإعلامي لا تكمن فقط فيما أحدثه من دمارٍ للماضي، بل في الألغام الموقوتة التي زرعها في وعي الحاضر والمستقبل؛ إذ يُظهر تتبّعُ هذه الصيرورة التاريخية كيف ينسرب الخطاب التعبوي الأحادي ليعيد إنتاج نفسه بأشكالٍ وقوالب جديدة، تحوّل التنوع المجتمعي من مصدر غناء إلى ساحة احتراب دائم.
وتكمن الخطورة الكبرى في ارتهان الوعي الجمعي لأساليب شيطنة الآخر والتشكيك في الهويات، مما يجعل المجتمعات هشّة وقابلة للاختراق والانسياق وراء المغامرات الأيديولوجية أو الطائفية تحت أي مسمى جديد.
إن البقاء في أسار هذه الأدبيات يهدد بتعطيل العقل النقدي وإعاقة أي مشروع حقيقي للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة؛ فالإعلام الذي يُبنى على التزييف وإشعال الحروب يظل قادراً على تسميم الأجيال المتلاحقة ما لم يُواجه بوعيٍ وطني عقلاني يفكك التضليل، ويستبدل خطابات الكراهية بثقافة السلم والاستقرار وتغليب مصلحة الوطن فوق كل الشعارات.