Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

هل يصل التجمع الوطني للرئاسة الفرنسية

#
کاتب ١    -      37 مشاهدة
11/08/2026 | 01:49 PM

أدت الخسارة التي منيت بها مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية عام 2017 إلى فتح مرحلة تصفية الحسابات داخل حزب الجبهة الوطنية.
ومن بين الانتقادات التي وُجّهت للحزب، استراتيجيته المتعلقة بـ"الخروج من الاتحاد الأوروبي" (Frexit) التي دافع عنها فلوريان فيليبو، أحد مساعدي مارين لوبان أنذاك. وقد اتفق العديد من الأعضاء في الحزب على كونها أحد أسباب الهزيمة. وهو ما جعل فلوريان فيليبو، الذي كان من المقربين من مارين لوبان، في الابتعاد تدريجيًا عن الحزب.
فخلال الحملة الرئاسية ومناظرة الدور الثاني ضد أمام إيمانويل ماكرون، أكدت مارين لوبان أن الخروج من منطقة اليورو يمثل حجر الأساس في برنامجها السياسي.
لكن 72% من الفرنسيين كانوا يعارضون العودة إلى عملة  الفرنك في آذار/مارس 2017، وفق استطلاع أجراه معهد "إيلاب" لصالح صحيفة "لي زيكو" المتخصصة في الشؤون الاقتصادية وإذاعة "راديو كلاسيك" ومعهد مونتين.
من جهة أخرى، عبر 7 فرنسيين من أصل 10 عن معارضتهم لمغادرة الاتحاد الأوروبي، وفق استطلاع أجراه معهد إيفوب-فيدوسيال لصالح القناة البرلمانية "بوبليك سينا" وإذاعة "سود راديو".
وفي هذا الشأن، قال جان إيف كامو، المتخصص في شؤون اليمين المتطرف ورئيس مرصد التطرفات السياسية التابع لمؤسسة جان جوريس: "أدركت مارين لوبان أن الخروج من منطقة اليورو كان يمثل مصدر قلق كبيرا جدا للفرنسيين، وأنه إذا أرادت كسب مزيد من الناخبين، فعليها بدلًا من ذلك أن تعمل على طمأنتهم".

فقامت باتخاذ خطوتين رئيسيتين.أولا، قامت في 2018 بتغيير اسم حزبها من "الجبهة الوطنية" إلى "التجمع الوطني".
والهدف من ذلك وفق جان إيف كامو هو "قطع آخر رابط مع الحزب الذي أسسه والدها جان ماري لوبان".
وأضاف كامو: "لكن بعيدا عن الرمزية، هناك أيضا اختلاف في الدلالة. فالجبهة تعني المواجهة والحرب. بينما التجمع يعني توحيد أشخاص يأتون من آفاق مختلفة. مارين لوبان تعرف أنها لا تستطيع الفوز بالاعتماد فقط على القاعدة الانتخابية لليمين المتطرف. لذلك أظهرت رغبتها في استقطاب ناخبين من اليسار السيادي ومن اليمين الجمهوري وحتى من صفوف الممتنعين عن التصويت".
ثانيا، تخلت مارين لوبان نهائيا عن استراتيجية الخروج من الاتحاد الأوروبي. فخلال حملة الانتخابات الأوروبية في 2019، أكدت في برنامج التجمع الوطني بأن فرنسا ستبقى داخل الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو لكن الهدف الآن هو تغيير مؤسسات الاتحاد الأوروبي من الداخل من أجل إنشاء "تحالف أوروبي للأمم".
كما أتاحت حملة الانتخابات الأوروبية لمارين لوبان أن تعرف بالشاب جوردان بارديلا وتدفع به إلى الساحة السياسية. وكان عمره في ذلك الحين 23 عاما فقط. فقد كان بالفعل المتحدث باسم التجمع الوطني ورئيس حركة "جيل الأمة"، التنظيم الشبابي للحزب.
وكان مساعدها فلوريان فيليبو وراء فكرة تعيين جوردان بارديلا باعتباره ينتمي إلى جيل من الناشطين الشباب الذين انضموا إلى الحزب "من أجل مارين لوبان أكثر مما انضموا من أجل الجبهة الوطنية"، وفق ما صرح به فيليبو في كانون الثاني/يناير 2019 لصحيفة "لو جورنال دو ديمانش".
ويؤكد جان إيف كامو: "جوردان بارديلا يمثل ورقة رابحة كبيرة بالنسبة للصورة الجديدة التي تريد مارين لوبان تسويقها. فهو شاب يجيد استخدام شبكات التواصل الاجتماعي ولديه علاقة أقل تعقيدا مع معسكر اليمين والليبرالية. ويمكنه بالتالي مساعدتها في جذب الناخبين من اليمين التقليدي الذين يترددون في اتخاذ خطوة الانضمام إليها. إضافة إلى ذلك، فهو لا ينتمي إلى عائلة لوبان خلافا لمارين أو ماريون ماريشال لوبان. وهذا أمر إيجابي للغاية".
 حزب  يجيد الاستفادة من السياق الاجتماعي والاقتصادي 
إلى جانب القرارات الداخلية والاستراتيجية الرامية إلى تحسين صورة التجمع الوطني وتوسيع قاعدته الانتخابية، استفاد حزب مارين لوبان أيضا من أحداث خارجية لعبت لصالحه. منها الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في باريس ونيس عامي 2015 و2016 (كما ورد في الحلقة الأولى)، إضافة إلى تحولات اجتماعية بدأت تظهر في الحقيقة منذ سنوات طويلة.
وفي كتابهما "من الجبهة الوطنية إلى التجمع الوطني، أسباب النجاح" (منشورات الجامعة الفرنسية، 2026)، سلط الباحثان باتريك لوهينغ وبرنار بودال الضوء على عمليات ساهمت في تعزيز خطاب التجمع الوطني لدى بعض فئات المجتمع.

وأوضحا كيف ساعدت بعض العوامل الخارجية في صعود حزب مارين لوبان، واصفان إياه بأنه "الحزب الذي يستفيد من الظروف".
ومن بين هذه العوامل، ذكر الباحثان عامل تفكيك الرعاية الاجتماعية وتراجع النظام التعليمي، فضلا عن فقدان المثقفين التقليديين مثل العلماء والمعلمين والنقابيين لمكانتهم وانتشار النزعة القومية التي تدافع عن "السكان الأصليين" الفرنسيين.
وركز الباحثان خصوصا على تراجع مستوى الدراسة والتعليم في فرنسا و"الشعور بالإهانة" و"الاستياء" لدى عدد كبير من ناخبي التجمع الوطني.


وكنتيجة لذلك، ارتفعت نسبة غير الحاصلين على شهادات عليا أو الحاصلين فقط على شهادة البكالوريا بشكل كبير عند ناخبي مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية مقارنة بناخبي جان ماري لوبان.
فوفق دراسة أجرتها مؤسسة جان جوريس بعنوان "1988-2021: ثلاثون عاما من تحول الناخبين المؤيدين للجبهة الوطنية" والتي نشرت في 2021، نجد أن نسبة الناخبين الذين صوتوا لصالح جان ماري لوبان في 1988 والذين لم يتحصلوا على شهادات دراسية عليا بلغت 29% في حين ارتفعت هذه النسبة إلى 56% خلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2017 والتي شاركت فيها مارين لوبان.
وفي تحليل لهذه الدراسة، قال المحلل جيروم فوركيه: " كان الحصول على شهادة البكالوريا في ثمانينيات القرن الماضي يُعدّ مؤشرًا ذا قيمة اجتماعية وثقافية، في حين أنها أصبحت اليوم في كثير من الأحيان تمثل الحد الأدنى المطلوب".
وأضاف: «فعلى مستوى سوق العمل، كان الأشخاص غير الحاصلين على البكالوريا وحتى الحاصلون عليها فقط يتمتعون بإمكانية الوصول إلى العديد من الوظائف قبل نحو أربعين عامًا، بينما تقلّصت اليوم بشكل كبير دائرة الفرص المتاحة أمامهم، إذ باتت هذه الفئات محصورة في المهن الأقل تقديرًا والأدنى أجورا ".
وبالنسبة لهؤلاء الأشخاص الذين احتفظ الكثير منهم بذكريات مدرسية مؤلمة، ولديهم وظائف غير مرموقة وأقل أجرًا، فآفاق تحسن وضعهم الاجتماعي على المدى القصير أو المتوسط أو حتى الطويل أصبحت شبه معدومة.

وفي تصريحات لمجلة "ألترناتيف إيكونوميك، صرح باتريك لوهينغ، "لقد تراجعت جودة الحياة التي عرفناها خلال فترة " الثلاثين المجيدة" (وهي السنوات التي بدأت من 1945 لغاية 1975 والتي عرفت فرنسا خلالها ازدهارا اقتصاديا مع توفر لفرص العمل وتطوير هائل للخدمات العامة...).
ويضاف إلى ذلك اعتماد سياسات عامة لمواجهة الأزمات، والتي، رغم تعاقب الحكومات والاتجاهات السياسية، ظلت تعود بشكل متكرر إلى التركيز على نفس الأولويات الثلاث: مكافحة التضخم واستعادة هوامش الربح للشركات وتقليص نطاق تدخل الدولة، وذلك على حساب مكافحة أوجه عدم المساواة، وتعزيز فرص العمل وتحسين ظروف العمل".
وفي نهاية عام 2018 تحديدا، انفجرت موجة غضب اجتماعي واسعة في فرنسا مع حركة السترات الصفراء. وسرعان ما استغل مسؤولو التجمع الوطني الفرصة، لينتشروا في مفترقات الطرق  محاولة منهم لاستقطاب الحركة.
ورغم أن الحركة الاحتجاجية لم يطغ عليها الطابع السياسي، إلا أن 42% من المحتجين الذين كانوا يوصفون بالسترات الصفراء صوتوا لصالح مارين لوبان في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2022، وفق استطلاع أجرته مؤسسة " بي في أي" (BVA)  لصالح صحيفة "ويست فرانس" المحلية.
"إريك زمور سمح لمارين لوبان بأن تبدو أكثر اعتدالا"

هناك عامل آخر استفاد منه التجمع الوطني، وهو الانزلاق الواضح نحو اليمين غير المتطرف بمباركة بعض وسائل الإعلام.
فقد حلت قناة "سي نيوز" (Cnews) محل "آي-تيلي" ( I-TELE)عام 2017، ووأصبح خطها التحرير أكثر يمينية، لتصبح في النهاية قناة ذات توجه ورأي سياسي.
وبعد ذلك، وبطريقة مشابهة، بدأت العديد من وسائل الإعلام في استقبال كتاب أعمدة أو صحفيين قادمين من وسائل إعلام يمينية متطرفة. الأمر الذي ساهم في تمرير خطابات كانت سابقا أقل حضورا لدى هذه القنوات التلفزيونية.
لكن التغيير الهام الذي طرأ في المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي هو استحواذ رجل الأعمال فانسون بلوريه على عدد من وسائل الاعلام.  فبعد "سي نيوز" (CNEWS)، اشترى إذاعة "أوروبا 1" ثم صحيفة "لو جورنال دو ديمانش".
 وإضافة إلى ذلك، قام بشراء العديد من القنوات الإعلامية الأخرى وكلف إريك زمور، في 2019، بتقديم برنامج تحت عنوان "في مواجهة الحقيقة" على قناة سي نيوز. الأمر الذي سمح أن يعرض ويقدم يوميا للملايين من المشاهدين رؤيته للمجتمع الفرنسي.
 كانت هذه المنصة الإعلامية بمثابة نقطة انطلاق نحو ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2022.
وقال جان إيف كامو في هذا الشأن: "ظهر فجأة إلى يمين مارين لوبان شخص إعلامي يحمل خطابا أكثر تطرفا. إريك زمور سمح لها بأن تبدو في صورة أكثر اعتدالا من دون أن تغير أو تقول شيئا.  فلقد تحدث عن ضرورة إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية وهي فكرة لم تكن تدافع عنها مارين لويان. كما صرح أيضا بإن الإسلام لا يتوافق مع الجمهورية ودافع أيضا عن المارشال بيتان بالقول إنه أنقذ اليهود. بالمقابل لم تصرح لوبان بمثل هذه الأقوال من قبل".
من جهة أخرى، أصبح السياق السياسي العام أيضا عاملا سمح بصعود التجمع الوطني، وهو ما تؤكده نجاحاته الانتخابية.
ففي الانتخابات الأوروبية عام 2019، تصدرت القائمة التي قادها جوردان بارديلا النتائج بحصولها على 5.29 ملايين صوت، أي 23.34% من الأصوات.

 
لكن هذه النتائج تراجعت نوعا ما، خلال الانتخابات المحلية التي نظمت في عام 2020. فباستثناء الفوز الذي حققه التجمع الوطني في بلدية بيربينيان (جنوب شرق فرنسا)  وكذلك خلال الانتخابات الاقليمية عام 2021، لم يفز  الحزب اليميني المتطرف بأي إقليم أو منطقة من مناطق فرنسا. ورغم ذلك، فقد قرر دخول معترك الانتخابات الرئاسية لعام 2022 وهو في موقع قوة.
وبعد 11 عاما من تولي مارين لوبان قيادة الحزب، أصبح التجمع الوطني يعتمد على قاعدة انتخابية شعبية قوية وحتى على أصوات بعض النساء.
وفي دراسة أجرتها مؤسسة "جان جوريس" المشار إليها سابقا، كتب جيروم فوركيه: "إن تكليف مرشحة وليس مرشح لتمثيل الحزب وابتعاد مارين لوبان عن الصورة الذكورية التي كان والدها يروج لها، فضلا عن تغير موقف الحزب من عدة قضايا مثل الإجهاض، ساهمت في إزالة العقبات التي كانت موجودة لدى جزء من الناخبات".
والنتيجة كانت تأهل مارين لوبان مرة أخرى إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2022، بعد حصولها على أكثر من 8 ملايين صوت (23.15%). ورغم خسارتها مجددا أمام إيمانويل ماكرون في الجولة الثانية، فإنها قلصت الفارق مقارنة بعام 2017، بعدما حصلت على أكثر من 13 مليون صوت (41.45%).
وأنهى جيروم فوركيه:" أخيرا، رأينا أن الانتخابات التشريعية التي تلت الانتخابات الرئاسية شهدت نهاية ما يُعرف بـاسم "الجبهة الجمهورية". فقد حصل التجمع الوطني، الذي لم يكن يملك سوى ثمانية نواب في الجمعية الوطنية بين عامي 2017 و2022، على 89 مقعدا ليفتح  بذلك صفحة جديدة عنوانها: التطبيع السياسي.