Weather Data Source: 30 days weather Baghdad
بغداد
عاجل

كتاب .. لسعيد خطيبي: الخوف قبل العاصفة

#
کاتب ١    -      30 مشاهدة
21/01/2026 | 10:44 PM

تسعى رواية "أغالب مجرى النهر" للروائي الجزائري سعيد خطيبي إلى محاولة تفكيك الذاكرة الوطنية وإعادة قراءتها من منظور ثقافي واجتماعي.
ويقدم الروائي هنا نصا لا يكتفي باستعادة الماضي، لكنه يسائل الهوية الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى في مطلع التسعينيات، وهي الفترة التي وسمت بـ "العشرية السوداء"، وهذا يلخص أهم ما عرف به هذا الكاتب، أي الاشتغال على ثنائية التاريخ والذاكرة.

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام 

يشرع خطيبي في روايته بتأثيث فضاء سردي لا يكتفي بتذكيرنا بشبح "العشرية" كحدث تاريخي، بل يتخذ منها مختبرا ثقافيا لفهم كيفية تشكل الهوية في لحظات الانكسار.
يضعنا العنوان في حد ذاته أمام استعارة وجودية كبرى؛ فـ"المجرى" هو حتمية التاريخ، و"المغالبة" هي فعل المثقف والروائي والشخصية الهامشية في محاولة يائسة لاستعادة "المعنى" من وسط الركام.
خطيبي هنا لا يكتب رواية عن الحرب، بل يستبطن روح البلاد عشية الانفجار، إنه يكتب رواية عن ثقافة الحرب الضمنية وكيف تتسلل إلى اللغة والجسد والعمارة والمحاضر الرسمية لا يكتب خطيبي هنا عن الحرب بل عن الخوف السابق لها بوصفه مقدمة ضرورية للعاصفة.
في هذا النص، نجد أنفسنا أمام تأريخ جمالي للجزائر في مطلع التسعينيات؛ تلك الفترة التي كانت تميد تحت أقدام ساكنيها، حيث يتحول "مجرى النهر" من مجرد معلم جغرافي إلى قدر تاريخي جارف يهدد باقتلاع الجميع.
والرواية في العمق هي تشريح للذات الجزائرية وهي تقف على حافة الهاوية. إن الخوف هنا هو نسق ثقافي بدأ يتغلغل في البنية.

وببراعة المحلل الأنثروبولوجي، يغوص خطيبي في تفاصيل "ما قبل الانفجار"، حيث تصبح الشخصيات مثل "عزوز" و"عقيلة" و"ياقوت" شواهد على تحول القيم. إنهم يحاولون مغالبة تيار جارف من التغييرات الاجتماعية والأيديولوجية التي بدأت تكتسح الفضاء العام.
الخوف في هذه الرواية هو بطل صامت، يحرك الخيوط من خلف الستار، ويجعل من البحث عن الحقيقة رحلة تيه وسط غيوم العاصفة القادمة.

تبدأ الرواية -الصادرة عن دار نوفل عام 2025- بملامح "بوليسية" مراوغة، لكنها سرعان ما تتخلى عن قشرتها الخارجية لتصبح تحقيقا أنطولوجيا، أي أن خطيبي يستخدم القناع البوليسي ليغري القارئ بالدخول في المتاهة، لكنه بمجرد أن يدخل، يجد نفسه أمام تشريح ثقافي ووجودي للمجتمع.
إنه لا يحقق في جريمة قتل فرد، بل يحقق في "جريمة وأد" وطن وهوية، وهذا هو جوهر العمل الأنطولوجي في الرواية الحديثة؛ حيث يصبح النص حفرا في الكينونة الإنسانية وصراعاتها الكبرى.
ملخص الحكاية: ماذا تروي؟
تدور الرواية حول طبيبة عيون تدعى عقيلة تومي، تعيش حياة تبدو في ظاهرها مستقرة، فهي متزوجة ولديها ابنة صغيرة وعمل مهني ناجح، غير أن هذه الحياة تنفتح فجأة على كابوس التحقيق حين تستدعى إلى مخفر الشرطة بوصفها مشتبها بها في قضية جنائية مرتبطة بزوجها الطبيب الشرعي.
تبدأ الحكاية من لحظة التوقيف، حيث تقاد عقيلة إلى الحجز، وتخضع لإجراءات تفتيش واستجواب قاسية نفسيا تمتد لساعات وأيام، من دون أن تبلغ بتهمة واضحة.
وخلال التحقيق، يتكشف تدريجيا أن زوجها مخلوف متورط في شبكة غير قانونية تتعلق بتجارة الأعضاء البشرية، مستفيدا من عمله في المشرحة، ومن صمت طويل فرضه داخل البيت وخارجه.
بين جلسات الاستجواب، يعود السرد إلى الوراء، كاشفا تفاصيل حياة عقيلة، حيث زواج قام على الخوف أكثر مما قام على المودة، وثمة عنف منزلي صامت وأمومة مثقلة بالقلق، وعلاقة مركبة مع الأب الذي يحمل بدوره تاريخا شخصيا مع السلطة والاستعمار والحرب.

وتتقاطع هذه الذكريات مع واقع التحقيق، فيتحول المخفر إلى مرآة لحياة كاملة قائمة على الصبر والتأجيل.
تكتشف البطلة شيئا فشيئا أن معرفتها بزوجها كانت منقوصة، وأن صمته لم يكن حيادا، بل ستارا. ومع تصاعد الضغط، تجد نفسها أمام خيار أخلاقي حاسم، إما الدفاع عن الذات والاعتراف بالحقيقة، أو الاستمرار في تحمل تبعات أفعال لم ترتكبها، وذلك حماية لأسرة مهددة بالانهيار.
لا تسير الرواية نحو حل بوليسي تقليدي، ولا تقدم نهاية مغلقة ترضي منطق العدالة السريعة. ما تفعله هو تفكيك المسار الذي أوصل امرأة عادية إلى موقع الاتهام، وتعرية شبكة العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل البراءة نفسها موضع شك.
وتنتهي الحكاية وقد تغيرت عقيلة، فهي لم تعد المرأة التي دخلت المخفر في البداية، إنما أصبحت ذاتا أكثر وعيا بثمن الصمت وحدود الاحتمال، أي بمعنى أن "تغالب مجرى النهر" ولو داخليا.

إرهاصات الصدام
تستشرف الرواية بذكاء لحظة الانفجار في التسعينيات، فمن خلال الحوارات والمواقف الضمنية، يكشف خطيبي عن الخراب الجواني الذي سبق العشرية السوداء.
ففي حالة عزوز وتناقضاته، يمثل الشخصية التي تحاول الحفاظ على "توازنها" في وسط مضطرب، لكنه يدرك أن "الأبناء أورثوا حزنا".
وهذه الجملة "كان يمكن أن تصير ابني" التي وجهت لإدريس، تعكس انقطاع التواصل بين الأجيال؛ جيل الثورة الذي بنى الدولة، وجيل الشباب الذي شعر باليتم والاغتراب داخل وطنه، مما دفعه للارتماء في أحضان التطرف أو الهجرة.