أتي فيلم "عملاق" (Giant) كعمل ينتمي إلى أفلام السيرة الذاتية والدراما الرياضية، لكنه لا يكتفي بسرد قصة صعود رياضي تقليدية، بل يحاول الغوص في ما هو أبعد من الحلبة.
يستلهم "عملاق" القصة الحقيقية للملاكم البريطاني ذي الأصول اليمنية الشهير نسيم حميد، أحد أكثر الأسماء إثارةً للجدل والاهتمام في تاريخ الملاكمة الحديثة، وهو من إخراج وتأليف روان آثال، وبطولة أمير المصري في دور نسيم، وبيرس بروسنان في دور مدربه الأسطوري بريندان أنغل.
ليصلك المزيد من
الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام
نسيم بين شيفيلد واليمن
ينطلق الفيلم من الطفولة الفقيرة لنسيم حميد في مدينة شيفيلد البريطانية، عندما كان طفلا يتعرض للتنمر بشكل مستمر بسبب أصوله العربية، وتقوده الصدفة إلى مدرب الملاكمة بريندان أنغل، الرجل الذي وهب حياته لتعليم الأطفال والمراهقين رياضة الملاكمة، ليس فقط لأهمية الرياضة في حياة اليافعين، بل بوصفها وسيلة تساعدهم على فهم العالم، والتعرف على معاني الانضباط والالتزام، وإبعادهم عن حياة الشوارع الفقيرة التي قد تقودهم إلى الجريمة
لا تُعرض المرحلة الأولى من حياة نسيم بوصفها مجرد خلفية زمنية، بل كجزء جوهري من تكوين شخصيته؛ فنشأته في بيئة مهمشة، وتأثره بخلفيته العربية ودينه الإسلامي، يضعانه في مواجهة مباشرة مع مجتمع بريطاني لم يكن متصالحًا مع الاختلاف الثقافي والديني خلال الثمانينيات والتسعينيات.
لا يسعى الفيلم إلى إثارة تعاطف سطحي، بل يستخدم هذه الخلفية لتفسير دوافع نسيم وتمرده ورغبته الدائمة في إثبات ذاته، ليس فقط كملاكم، بل كإنسان يسعى للاعتراف والاحترام.
ينتمي "عملاق" بوضوح إلى الأفلام الرياضية، غير أنه يتعامل مع الرياضة بوصفها مفتاحا لتقديم القصة لا غايةً بحد ذاتها؛ فالملاكمة فيه ليست مجرد مباريات وانتصارات، بل مساحة يتقاطع فيها الصراع الشخصي مع الصراع الاجتماعي.في قلب فيلم "عملاق" تكمن العلاقة المعقدة بين نسيم حميد ومدربه بريندان أنغل، التي تعد المحرك الأساسي للسرد. هذه العلاقة تتجاوز إطار مدرب ولاعب لتأخذ أبعادًا أبوية وإنسانية عميقة؛ فبريندان يمثل صوت الانضباط والخبرة والسيطرة على الفوضى التي تصاحب الموهبة الفطرية، بينما يجسد نسيم الحرية والاندفاع والرغبة في كسر القيود. والصدام بين الطرفين لا يُقدَّم كخلاف تقني، بل كصراع إنساني وبحث دؤوب عن السبب الحقيقي وراء نجاح نسيم.
صراع لا يشبه أفلام الملاكمة التقليدية
لا يمكن تناول فيلم "عملاق" دون وضعه في إطار الأفلام الرياضية، وعلى وجه الخصوص أفلام الملاكمة، التي قُدمت منها أعمال تُعد حتى اليوم أيقونية، مثل "روكي" (Rocky) الذي امتد إلى سلسلة طويلة، وتحفة مارتن سكورسيزي "الثور الهائج" (Raging Bull)، وحتى سلسلة "كريد" (Creed) الحديثة.
تتقاطع هذه الأعمال في تناولها حكايات ملاكمين لا تنفصل فيها الحلبة عن الحياة الشخصية، حيث تصبح الرياضة مرآة للصراعات الداخلية. فهناك روكي، الرجل المهمش ذو الجذور الإيطالية، الذي يصل إلى النجاح بمحض المصادفة قبل أن يحسمه الإصرار. وعلى النقيض، يجسد جيك لاموتا نموذجا للملاكم الذي وجّه غضبه وعنفه المكبوتين نحو من حوله، فحطم علاقاته وحقق المجد، قبل أن يرتد عليه العنف ذاته ويدفعه إلى السقوط. أما أدونيس كريد، فيخوض رحلة مختلفة، باحثا عن هويته الخاصة، محاولا الإفلات من ثقل ظل والده الأسطوري ومدربه الشهير، خشية أن يبتلعه الإرث الذي يطارده.
لم يقع "عملاق" في فخ تكرار هذه التجارب، من ناحية لأنه يستند إلى قصة حقيقية ملهمة بالفعل وتستحق تسليط الضوء عليها، ومن ناحية أخرى لأنه اختار لنفسه زاوية مختلفة في تناول حياة الملاكم؛ فلم تعد الانتصارات الرياضية في المركز. فنسيم في كل مباراة لا ينازل ملاكمًا فقط، بل يواجه عدوًا آخر في ذهنه، بدايةً من العنصرية التي تتمثل في جمهور يقف ضده للأسباب الخاطئة، ومراهنين يتمنون فشله بسبب لون بشرته وديانته، وصولًا إلى الصراع المركزي مع مدربه، والذي ينازل فيه في الحقيقة شكوكه الشخصية في ذاته.
بدأت ضغينة نسيم تجاه مدربه نتيجة إصرار الأخير على أن التدريب جزء أساسي من هذا النجاح، وهو ما اعتبره الملاكم تقليلًا من موهبته الطبيعية وإرادته وتصميمه، فتحولت الضغينة إلى غضب عارم جرف اللاعب وأخرجه عن مساره، وتسبب في النهاية في تراجع مسيرته.
التمثيل هو الأفضل
تتكامل في "عملاق" عناصر التمثيل والموسيقى والأزياء وتسريحات الشعر لخلق تجربة سينمائية تعكس الزمن، والحالة النفسية، والصراع الداخلي للشخصيات. فعلى مستوى التمثيل، يقدم أمير المصري أداء جسديًا مقنعا في دور نسيم حميد، خصوصًا داخل حلبات الملاكمة؛ فحركته، ولياقته، وتفاعله الجسدي مع الخصوم يعكس تدريبا مكثفا ووعيا بطبيعة الشخصية الرياضية، وهو ما جعل مشاهد الملاكمة واقعية ومشحونة بالطاقة.
أما بيرس بروسنان، فيقدم أداءً يُعد من أكثر عناصر الفيلم قوة، حيث ينجح في منح شخصية المدرب بريندان ثقلا إنسانيا؛ فهو ليس مجرد مدرب تقليدي صارم، بل شخصية تحمل تناقضاتها الداخلية بين الدعم والسيطرة، والإيمان بالموهبة والخوف من فقدانها. هذا التوازن يمنح العلاقة بينه وبين نسيم مصداقية، ويجعلها العمود الفقري للفيلم.
تلعب الموسيقى التصويرية دورا محوريا في بناء الإحساس الدرامي، إذ تأتي كمزيج محسوب بين الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى البوب المرتبطة بروح التسعينيات التي شهدت صعود نسيم حميد الحقيقي، وتبرز شخصيته الاستعراضية داخل وخارج الحلبة. هذا التداخل الموسيقي يساعد المتفرج على الانتقال بين التوتر والانتصار دون كسر الإيقاع العام للفيلم.
ومن الناحية البصرية، يبرز اهتمام واضح بالأزياء وتسريحات الشعر كجزء مهم من بناء العالم الزمني للفيلم؛ فتصميم الملابس، خصوصا النسائية، مستوحى بدقة من أزياء التسعينيات البريطانية من حيث الألوان والقصات، ما يعزز الإحساس بالواقعية. وتسريحات الشعر بدورها تلعب دورا مشابها، خصوصا في شخصيتي الصحفية فيكي وزوجة بريندان، إذ تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية المحيطة بالشخصيات، وتُستخدم كعلامة بصرية على التغيرات الزمنية داخل القصة.
يمكن القول إن فيلم "عملاق" (Giant) ينجح في تقديم سيرة رياضية مختلفة في مقاربتها، لا تعتمد فقط على استعراض الانتصارات داخل الحلبة، بل تستخدم الملاكمة كعدسة لفهم صراع أوسع مع الهوية، والانتماء، والعلاقة المعقدة بين الموهبة والانضباط. الفيلم يطرح رحلة نسيم حميد بوصفها تجربة إنسانية قبل أن تكون إنجازًا رياضيًا، ويكشف كيف يمكن للنجاح أن يتحول من حلم بالتحرر إلى عبء نفسي يختبر قوة الشخصية وحدودها.